العيني
204
عمدة القاري
ولا سيما إذا كان الماء قليلاً وانقطع بعد سقي الثاني ، وقد صرح النووي في ( شرح مسلم ) : بأن المراد بالأول الذي يلي الماء إلاَّ لمحيي الأول ، فقال عند ذكر حديث الزبير : فلصاحب الأرض الأولى التي تلي الماء المباح أن يحبس الماء ويسقي أرضه إلى هذا الحد ، ثم يرسله إلى جاره الذي وراءه . فإن قلت : ما المراد بقوله : ثم أرسل الماء إلى جارك ؟ فهل هو ما فضل عن الماء الذي حبسه أو إرسال جميع الماء المحبوس أو غيره بعد أن يصل في أرضه إلى الكعبين ؟ قلت : قال شيخنا : الصحيح الذي ذكره أصحاب الشافعي الأول ، وهو قول مطرف وابن الماجشون من المالكية ، واختاره ابن وهب ، وقد كان ابن القاسم يقول : إذا انتهى الماء في الحائط إلى مقدار الكعبين من القائم أرسله كله إلى من تحته ، ولا يحبس منه شيئاً في حائطه . قال ابن وهب : وقول مطرف وابن الماجشون أحب إلي في ذلك ، وهما أعلم بذلك ، لأن المدينة دارهما وبها كانت القضية وفيها جرى العمل بالحديث . وفيه : حجة على ما حكي عن أبي حنيفة من أن الأعلى لا يقدم على الأسفل ، وإنما يسقون بقدر حصصهم ، قاله بعض الشافعية . قلت : هذا وجه حكاه الرافعي عن الداركي ، وليس مراد أبي حنيفة من قوله : إن الأعلى لا يقدم على الأسفل ، أنه يختص بالماء ويحرم الأسفل ، بل كلهم سواء في الاستحقاق ، غير أن الأول يسقي ثم الثاني ثم الثالث وهلم جراً ، والانتفاع في حق كل واحد بقدر أرضه ، وقدر حاجته ، فيكون بالحصص . وفي ( المغني ) لابن قدامة : ولو كان نهيراً صغيراً وسيل فتشاح أهل الأرضين الشاربة عنه ، فإنه يبدأ بالأعلى ويسقي حتى يبلغ الكعب ، ثم يرسل إلى الذي يليه كذلك إلى انتهاء الأراضي ، فإن لم يفضل عن الأول شيء أو الثاني أو الثالث لا شيء للباقين ، لأنه ليس لهم إلاَّ ما فضل فهم كالعصبة في الميراث ، وهذا قول فقهاء المدينة ومالك والشافعي ، ولا نعلم فيه مخالفاً ، والأصل فيه حديث الزبير ، رضي الله تعالى عنه ، وقال القرطبي في حديث الباب : إن الأولى بالماء الجاري الأول فالأول حتى يستوفي حاجته ، وهذا ما لم يكن أصله ملكاً للأسفل مختصاً به ، فإن كان ملكه فليس للأعلى أن يشرب منه شيئاً وإن كان يمر عليه . وفيه : الاكتفاء للخصوم بما يفهم عنهم مقصودهم أن لا يكلفوا النص على الدعاوي ولا تحرير المدعى فيه ولا حصره بجميع صفاته . وفيه : إرشاد الحاكم إلى الإصلاح ، وقال ابن التين : مذهب الجمهور أن القاضي يشير بالصلح إذا رآه مصلحة ، ومنع ذلك مالك ، وعن الشافعي في ذلك خلاف ، والصحيح جوازه . وفيه : أن للحاكم أن يستوعي لكل واحد من المتخاصمين حقه إذا لم يَرَ قبولاً منهما للصلح ولا رضى بما أشار به كما فعل صلى الله عليه وسلم . وفيه : توبيخ من جفا على الإمام والحاكم ومعاقبته لأنه صلى الله عليه وسلم عاقبه بما قال ، بأن استوعى للزبير حقه ، ووبخه الله تعالى في كتابه بأن نفى عنهم الإيمان حتى يرضوا بالحكم فقال : * ( فلا وربك لا يؤمنون . . . ) * ( النساء : 56 ) . الآية . وقيل : وقعت عقوبته في ماله وقد كانت تقع العقوبات في الأموال ، كأمره بشق الزقاق وكسر الجرار عند تحريم الخمر ، تغليظاً للتحريم . وفيه : أنه صلى الله عليه وسلم حكم على الأنصاري في حال غضبه مع نهيه أن يحكم الحكم وهو غضبان ، لأنه يفارق غيره من البشر ، إذ العصمة قائمة في حقه في حال الرضا والسخط أن لا يقول إلاَّ حقاً . وفيه : دليل أن للإمام أن يعفو عن التعزير ، كما له أن يقيمه . قال مُحَمَّدُ بنُ العَبَّاسِ قال أبُو عَبْدِ الله : لَيْسَ أحَدٌ يَذْكرُ عُرْوَةَ عنْ عَبْدِ الله إلاَّ اللَّيْثُ فَقَطْ هكذا وقع في رواية أبي ذر عن الحموي وحده عن الفربري ، ولم يقع هذا في رواية غيره ، ومحمد بن العباس السلمي الأصبهاني ، وهو من أقران البخاري وتأخر بعده ، مات سنة ست وستين ومائتين ، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه ، يعني : هو الذي صرح بتفرد الليث بذكر عبد الله بن الزبير في إسناده ، وفيه نظر ، لأن ابن وهب روى عن الليث ويونس جميعاً عن ابن شهاب : أن عروة حدثه عن أخيه عبد الله بن الزبير بن العوام ، أخرجه النسائي ، وذكر الحميدي في ( جمعه ) : أن الشيخين أخرجاه من طريق عروة عن أخيه عبد الله عن أبيه ، وفيه نظر أيضاً ، لأنه بهذا السياق في رواية يونس المذكور ، ولم يخرجها من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي كما ذكرنا والله أعلم ، ومنه المن علينا . 7 ( ( بابُ شُرْبِ الأعْلَى قَبْلَ الأسْفَلِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم شرب الأعلى قبل الأسفل ، وفي رواية الحموي والكشميهني : قبل السفلي ، قال بعضهم : والأول