العيني
21
عمدة القاري
ولو كان على الشجر ثمرة مؤبرة وأدخلت في البيع بالشرط لم تثبت فيها الشفعة ، فيأخذ الشفيع الأرض والنخيل بحصتهما ، وإن كانت غير مؤبرة دخلت في البيع ، وهل للشفيع أخذها ؟ وجهان أو قولان أصحهما : نعم . انتهى . ثم اختلف من يقول بالشفعة للجار ، فقال أصحابنا الحنفية : لا شفعة إلاَّ للجار الملازق ، وقال الحسن بن حي : للجار مطلقا بعد الشريك ، وقال آخرون : الجار الذي تجب له الشفعة أربعون دارا حول الدار . وقال آخرون : من كل جانب من جوانب الدار أربعون دارا . وقال آخرون : هو كل من صلى معه صلاة الصبح في المسجد ، وقال بعضهم : أهل المدينة كلهم جيران ، وحجة أصحابنا فيما ذهبوا إليه أحاديث رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم . منها : ما رواه الطحاوي بإسناد صحيح ، فقال : حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرنسي ، قال : حدثنا علي ابن صالح القطان وأحمد بن حبان ، قالا : حدثنا عيسى بن يونس ، قال : حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( جار الدار أحق بالدار ) . وأخرجه البزار أيضا في ( مسنده ) . فإن قلت : قال الترمذي : ولا يعرف حديث قتادة عن أنس إلاَّ من حديث عيسى بن يونس ؟ قلت : ما لعيسى بن يونس فإنه حجة ثبت ، فقال ابن المديني حين سئل عنه : بخٍ بخٍ ثقة مأمون ، وقال محمد بن عبد الله بن عمار عيسى : حجة ، وهو أثبت من إسرائيل . وقال العجلي : كان ثبتا في الحديث ، فإذا كان كذلك فلا يضر كون الحديث عنه وحده . ومنها : حديث سمرة بن جندب أخرجه الترمذي ، وقال : حدثنا علي بن حجر ، قال : أخبرنا إسماعيل بن علية عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( جار الدار أحق بالدار ) . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وأخرجه الطحاوي من ستة طرق صحاح أحدها مرسل . فإن قلت : الحسن لم يسمع من سمرة إلاَّ ثلاثة أحاديث ، وهذا ليس منها ؟ قلت : قال الترمذي عن البخاري ، رضي الله تعالى عنه : إنه سمع منه عدة أحاديث ، وقال الحاكم في أثناء كتاب البيوع من ( المستدرك ) : قد احتج البخاري بالحسن عن سمرة ، وذلك بعد أن روى حديثا من رواية الحسن عن سمرة . ومنها : حديث علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ، رضي الله تعالى عنهما ، أخرجه الطحاوي ، وقال : حدثنا أبو بكرة حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا سفيان عن منصور عن الحكم عمن سمع عليا وعبد الله بن مسعود يقولان : قضى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بالجوار . وأخرجه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن الحكم عن علي وعبد الله قالا : قضى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بالشفعة للجوار . قلت : في سند الطحاوي مجهول ، وفي سند ابن أبي شيبة الحكم عن علي ، والحكم لم يدرك عليا ولا عبد الله . ومنها : حديث عمرو بن حريث ، أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح مثل الحديث الذي قبله ، وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفا على عمرو بن حريث أنه : كان يقضي بالجوار ، أي يقضي للجار بالشفعة بسبب الجوار ، وروى الطحاوي أيضا بإسناده إلى عمر ، رضي الله تعالى عنه ، أنه كتب إلى شريح أن يقضي بالشفعة للجار الملازق ، وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة نحوه ، وفيه : فكان شريح يقضي للرجل من أهل الكوفة على الرجل من أهل الشام ، وأجاب الأصحاب عن حديث الباب أن جابرا قال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل مال لم يقسم ، ولفظه في حديثه الثاني الذي يأتي عقيب هذا الباب : قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم ، وهذان اللفظان إخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بما قضى ، ثم قال بعد ذلك ، فإذا وقعت الحدود . . . إلى آخره ، وهذا قول من رأى جابرا لم يحكه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يكون هذا حجة علينا أن لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك على أنه روى عن جابر أيضا أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الجار أحق بشفعة جاره ، فإن كان غائبا انتظر إذا كان طريقهما واحدا ، أخرجه الطحاوي من ثلاث طرق صحاح . وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة أيضا ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن مالك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر ، وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث ، وعبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث لا نعلم أحدا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث ، وقد روى وكيع عن شعبة عن عبد الملك هذا الحديث ، وروى عن ابن المبارك عن سفيان الثوري ، قال : عبد الملك بن أبي سليمان ميزان ، يعني : في العلم .