العيني
192
عمدة القاري
أخرجه البخاري في الأشربة عن إسماعيل . وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى . وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي . وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة وعن إسحاق بن موسى عن معن . وأخرجه ابن ماجة عن هشام بن عمار ، ستتهم عن مالك عن الزهري عن أنس . قوله : ( شاة داجن ) ، الداجن شاة ألفت البيوت وأقامت بها ، والشاة تذكر وتؤنث ، فلذلك قال : داجن ، ولم يقل : داجنة . وقال ابن الأثير : الداجن الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم ، يقال : دجنت تدجن دجوناً . قوله : ( وشيب ) على صيغة المجهول ، أي : خلط من شاب يشوب شوباً ، وأصل الشوب الخلط . قوله : ( وعلى يساره ) إنما قال هنا : بعلى ، وفي يمينه : بعن ، لأن لعل يساره كان موضعاً مرتفعاً فاعتبر استعلاؤه ، أو كان الأعرابي بعيداً عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قوله : ( وعن يمينه أعرابي ) ، قيل : إنه خالد بن الوليد ، رضي الله تعالى عنه ، حكاه ابن التين ، واعترض عليه بأنه لا يقال له : أعرابي . قيل : الحامل له على ذلك أنه رأى في حديث ابن عباس ، الذي مضى ذكره عن قريب ، وهو أنه قال : دخلت أنا وخالد ابن الوليد على ميمونة . . . الحديث ، فظن أن القصة واحدة ، وليس كذلك ، فإن هذه القصة في بيت ميمونة ، وقصة أنس في داره ، وبينهما فرق . قوله : ( وخاف أن يعطيه ) ، جملة حالية ، والضمير في : خاف ، يرجع إلى عمر ، رضي الله تعالى عنه ، وإنما قال : ( أعط أبا بكر ) تذكيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلاماً للأعراب بجلالة أبي بكر ، رضي الله تعالى عنه ، وكذا وقع : أعطِ أبا بكر ، لجميع أصحاب الزهري ، وشذ معمر فيما رواه وهب عنه ، فقال : عبد الرحمن بن عوف ، بدل : عمر ، أخرجه الإسماعيلي والذي في البخاري هو الصحيح . قيل : إن معمراً لما حدث بالبصرة حدث من حفظه فوهم في أشياء ، فكان هذا منها . قلت : الأوجه أن يقال : يحتمل أن يكون محفوظاً أن يكون كل من عمر وعبد الرحمن قال ذلك . لتوفر دواعي الصحابة على تعظيم أبي بكر ، وهذا أحسن من أن يُنسب معمراً إلى الشذوذ والوهم . قال النسائي : معمر بن راشد الثقة المأمون ، وقال العجلي : بصري رحل إلى صنعاء وسكن بها وتزوج ، ورحل إليه سفيان وسمع منه هناك ، وسمع هو أيضا من سفيان . قوله : ( الأيمن فالأيمن ) بالنصب على تقدير : أعط الأيمن ، وبالرفع على تقدير : الأيمن أحق ، ويدل على ترجيح رواية الرفع قوله في بعض لعلها طرقه : الأيمنون الأيمنون . قال أنس : فهي سنة فهي سنة فهي سنة . هكذا في رواية أبي طوالة عن أنس ، رضي الله تعالى عنهما . ذكر ما يستفاد منه فيه : مشروعية تقديم من هو على يمين الشارب في الشرب وإن كان مفضولاً بالنسبة إلى من كان على يسار الشارب ، لفضل جهة اليمين على جهة اليسار ، وهل هو على جهة الاستحباب أو أنه حق ثابت للجالس على اليمين ؟ فقال القاضي عياض : إنه سنة . قال : وهذا مما لا خلاف فيه ، وكذا قال النووي : إنها سنة واضحة ، وخالف فيه ابن حزم فقال : لا بد من مناولة الأيمن كائناً من كان ، فلا يجوز مناولة غير الأيمن إلاَّ بإذن الأيمن . قال : ومن لم يرد أن يناول أحداً فله ذلك . فإن قلت : في حديث ابن عباس ، أخرجه أبو يعلى بإسناد صحيح ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سقى قال : ( ابدأوا بالكبراء ، أو قال : بالأكابر ) . فكيف الجمع بين أحاديث الباب ؟ قلت : يحتمل هذا الحديث على ما إذا لم يكن على جهة يمينه صلى الله عليه وسلم بل كان الحاضرون تلقاء وجهه مثلاً ، أو وراءه . وقال النووي : وأما تقديم الأفاضل والكبار فهو عند التساوي في باقي الأوصاف ، ولهذا يقدم الأعلم والأقرأ على الأسن النسيب في الإمامة في الصلاة . وفيه : أن غير المشروب ، مثل : الفاكهة واللحم ونحوهما ، هل حكمه حكم الماء ؟ فنقل عن مالك تخصيص ذلك بالشرب ، وقال ابن عبد البر وغيره : لا يصح هذا عن مالك . وقال القاضي عياض : يشبه أن يكون قول مالك : إن السنة وردت في الشرب خاصة ، وإنما يقدم الأيمن فالأيمن في غيره بالقياس ، لأن السنة منصوصة فيه وكيف ما كان فالعلماء متفقون على استحباب التيامن في الشرب وأشباهه . وفيه : جواز شوب اللبن بالماء لنفسه ولأهل بيته ولأضيافه ، وإنما يمتنع شوبه بالماء إذا أراد بيعه لأنه غش . وفيه : أن الجلساء شركاء في الهدية ، وذلك على جهة الأدب والمروءة والفضل والأخوة ، لا على الوجوب ، لإجماعهم على أن المطالبة بذلك غير واجبة لأحد . فإن قلت روي أنه صلى الله عليه وسلم قال ( جلساؤكم شركاؤكم في الهدية ) : رويي أنه ، صلى الله عليه وسلم ، قال : جلساؤكم شركاؤكم في الهدية . فإن قلت : محمول على ما ذكرنا مع أن إسناده فيه لين . وفيه : دلالة أن من قدم إليه شيء من الأكل أو الشرب فليس عليه أن يسأل من أين هو وما أصله ؟ إذا علم طيب مكسب صاحبه في الأغلب .