العيني
189
عمدة القاري
وقوله : * ( أفرأيتم الماء الذي تشربون ) * ( الواقعة : 86 ) . إلى قوله : * ( فلولا تشكرون ) * ( الواقعة : 86 ) . ووقع في بعض النسخ : باب في الشرب ، وقوله تعالى : * ( وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ) * ( الأنبياء : 03 ) . وقوله : * ( أفرأيتم الماء الذي تشربون ) * ( الواقعة : 86 ) . إلى قوله : * ( فلولا تشكرون ) * ( الواقعة : 86 ) . ووقع في شرح ابن بطال : كتاب المياة خاصة ، وأثبت النسفي لفظ : باب خاصة . أما المساقاة فهي : المعاملة بلغة أهل المدنية ، ومفهومها اللغوي هو الشرعي ، وهي معاقدة دفع الأشجار والكروم إلى من يقوم بإصلاحهما ، على أن يكون له سهم معلوم من ثمرها ، ولأهل المدينة لغات يختصون بها ، كما قالوا للمساقاة : معاملة ، وللمزارعة : مخابرة ، وللإجارة : بيع ، وللمضاربة : مقارضة ، وللصلاة : سجدة . فإن قلت : المفاعلة تكون بين اثنين ، وهنا ليس كذلك . قلت : هذا ليس بلازم ، وهذا كما في قوله : قاتله الله ، يعني : قتله الله ، وسافر فلان ، بمعنى : سفر ، أو لأن العقد على السقي صدر من اثنين ، كما في المزارعة ، أو من باب التغليب ، وأما الشرب ، فبكسر الشين المعجمة : النصيب والحظ من الماء ، يقال : كم شرب أرضك ، وفي المثل آخرها : شربا أقلها شرباً ، وأصله في سقي الماء ، لأن آخر الإبل يرد وقد نزف الحوض ، وقد سمع الكسائي عن العرب أقلها شرباً على الوجوه الثلاثة ، يعني الفتح والضم والكسر ، وسمعهم أيضا يقولون : أعذب الله شربكم ، بالكسر ، أي : ماءكم . وقيل : الشرب أيضا وقت الشرب ، وقال أبو عبيدة : الشرب ، بالفتح المصدر وبالضم والكسر ، يقال : شرب شرباً وشرباً وشرباً ، وقريء : فشاربون شرب الهيم بالوجوه الثلاثة . وقَوْلِ الله تعالى : * ( وجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ ) * ( الأنبياء : 03 ) . وقول الله ، بالجر عطفاً على قوله : كتاب المساقاة ، أو على قوله : في الشرب ، أو على قوله : باب الشرب ، أو على قوله : باب المياه ، على اختلاف النسخ ، وفي بعض النسخ : قال الله عز وجل : * ( وجعلنا من الماء ) * ( الأنبياء : 03 ) . الآية ، وقال قتادة : كل حي مخلوق من الماء . فإن قلت : قد رأينا مخلوقاً من الماء غير حي . قلت : ليس في الآية : لم يخلق من الماء إلاَّ حي ، وقيل : معناه أن كل حيوان أرضي لا يعيش إلاَّ بالماء . وقال الربيع بن أنس : من الماء ، أي : من النطفة ، وقال ابن بطال : يدخل فيه الحيوان والجماد ، لأن الزرع والشجر لها موت إذا جفت ويبست ، وحياتها خضرتها ونضرتها . وقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : * ( أفَرَأَيْتُمْ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْنَاهُ أجاجاً فلَوْلا تَشْكُرُونَ ) * ( الواقعة : 86 ) . وقول ، بالجر عطف على : قوله ، الأول لما أنزل الله تعالى : * ( نحن خلقناكم فلولا تصدقون ) * ( الواقعة : 85 ) . ثم خاطبهم بقوله : * ( أفرأيتم ما تمنون ) * إلى قوله : * ( ومتاعاً للمقوين ) * ( الواقعة : 37 ) . وكل هذه الخطابات للمشركين الطبيعيين لما قالوا : نحن موجودون من نطفة حدثت بحرارة كامنة ، فرد الله عليهم بهذه الخطابات ، ومن جملتها قوله : * ( أفرأيتم الماء الذي تشربون ) * ( الواقعة : 86 ) . أي : الماء العذب الصالح للشرب ، * ( أأنتم أنزلتموه من المزن ) * ( الواقعة : 86 ) . أي : السحاب . قوله : * ( جعلناه ) * ( الواقعة : 86 ) . أي : الماء * ( أجاجاً ) * ( الواقعة : 86 ) . أي : ملحاً شديد الملوحة زعافاً مراً لا يقدرون على شربه . قوله : * ( فلولا تشكرون ) * ( الواقعة : 86 ) . أي : فهلا تشكرون . الأُجاجُ : المُرُّ ، المُزْنُ : السَّحابُ هذا تفسير البخاري ، وهو من كلام أبي عبيدة ، لأن الأجاج المر ، وأخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة مثله ، وقد ذكرنا الآن أنه الشديد الملوحة . وقيل : شديد المرارة ، وقيل : المالك ، وقيل : الحار ، حكاه ابن فارس وفي ( المنتهى ) : وقد أج يؤج أجوجاً قوله : ( المزن ) بضم الميم وسكون الزاي ، جمع : مزنة ، وهي السحاب الأبيض ، وهو تفسير مجاهد وقتادة ، رضي الله تعالى عنهما ، ووقع في رواية المستملي وحده : منصباً ، قبل قوله : المزن ، ووقع بعد قوله : السحاب فراتاً عذباً ، في رواية المستملي وحده ، وفسر الثجاج بقوله : منصباً ، وقد فسره ابن عباس ومجاهد وقتادة هكذا ، ويقال : مطر ثجاج إذا انصب جداً ، والفرات أعذب العذوبة ، وهو منتزع من قوله تعالى : * ( هذا عذب فرات ) * ( الفرقان : 35 وفاطر : 21 ) . وروى ابن أبي حاتم عن السدي : العذب الفرات الحلو ، ومن عادة البخاري أنه إذا ترجم لباب في شيء يذكر فيه ما يناسبه من الألفاظ التي في القرآن ويفسرها تكثيراً للفوائد .