العيني
164
عمدة القاري
( لسيد الأرض ) ، أي : مالكها ، جعل الأرض كالعبد المملوك وأطلق السيد عليه . قوله : ( قال ) ، أي : رافع بن خديج . قوله : ( فمما يصاب ذلك ) ، أي : فكثيراً ما يصاب ذلك البعض ، أي : يقع له مصيبة ويصير مؤوفاً فيتلف ذلك ويسلم باقي الأرض ، وبالعكس تارة ، وهو معنى قوله : ومما يصاب الأرض ويسلم ذلك أي : البعض ، وفي رواية الكشميهني : فمهما ، في الموضعين ورواية الأكثرين أولى لأن : مهما ، يستعمل لأحد معان ثلاثة : أحدها : يتضمن معنى الشرط فيما لا يعقل غير الزمان . والثاني : الزمان والشرط ، والزمخشري ينكر ذلك . والثالث : الاستفهام ، ولا يناسب مهما هنا إلاَّ بالتعسف ، يعلم ذلك من يتأمل فيه ، وأما من لا عربية له فلا يفهم من ذلك شيئاً . وقال الكرماني : يحتمل أن يكون : مهما ، بمعنى : ربما ، لأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ، سيما ، ومن ، التبعضية تناسب : رب ، التقليلية ، وعلى هذا الاحتمال لا يحتاج أن يقال : إن لفظ ذلك من باب وضع المظهر موضع المضمر . قوله : ( فنهينا ) ، على صيغة المجهول ، أي : نهينا عن هذا الإكراء على هذا الوجه لأنه موجب لحرمان أحد الطرفين ، فيؤدي إلى الأكل بالباطل . قوله : ( والورق ) ، بكسر الراء هو الفضة ، وفي رواية الكشميهني : الفضة عوض الورث . قوله : ( فلم يكن يومئذ ) ، يعني : فلم يكن الذهب والفضة يكرى بهما ، لا أن معناه فليس الذهب والفضة موجودين . ذكر ما يستفاد منه فيه : أن إكراء الأرض بجزء منها ، أي : بجزء مما يخرج منها منهي عنه ، وهو مذهب عطاء ومجاهد ومسروق والشعبي وطاووس والحسن وابن سيرين والقاسم بن محمد ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وزفر ، واحتجوا في ذلك بحديث رافع ابن خديج المذكور . واحتجوا أيضا بما أخرجه الطحاوي . حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار عن رافع بن خديج ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكريها بالثلث ولا بالربع ولا بطعام مسمى ) . وأخرجه مسلم أيضا ، وبما رواه البخاري أيضا عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل إلى آخره ، وسيأتي بعد عشرة أبواب ، وبما رواه مسلم من حديث عبد الله بن السائب ، قال : سألت عبد الله ابن مغفل عن المزارعة ، فقال : أخبرني ثابت بن الضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة ، وبما رواه البخاري ومسلم أيضا من حديث جابر بن عبد الله ، وسيأتي أيضا هذا بعد أبواب ، وبما رواه البخاري ومسلم من حديث سالم : أن عبد الله ابن عمر ، قال : كنت أعلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأرض تكرى . . . الحديث ، وسيأتي هذا أيضا بعد أبواب ، إن شاء الله تعالى . ولما كانت أحاديث هؤلاء الأربعة مختلفة الألفاظ ومتباينة المعاني كثرت فيه مذاهب الناس وأقوال العلماء . قال أبو عمر : لا يجوز كراء الأرض بشيء من الطعام مأكولاً كان أو مشروباً على حال ، لأن ذلك في معنى بيع الطعام بالطعام نسيئة ، وكذلك : لا يجوز كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم يكن طعاماً ولا مشروباً سوى الخشب والقصب والحطب ، لأنه في معنى المراقبة ، هذا هو المحفوظ عن مالك وأصحابه . وقال القاضي عياض : اختلف الناس في منع كراء الأرض على الإطلاق ، فقال به طاووس والحسن أخذاً بظاهر النهي عن المحاقلة ، وفسرها الراوي بكراء الأرض ، فأطلق . وقال جمهور العلماء : إنما يمنع على التقييد دون الإطلاق ، واختلفوا في ذلك ، فعندهما أن كراءها بالجزء لا يجوز من غير خلاف ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ، وقال بعض الصحابة وبعض الفقهاء بجوازه تشبيهاً بالقراض ، وأما إكراءها بالطعام مضموناً في الذمة فأجازه أبو حنيفة والشافعي . وقال ابن حزم : وممن أجاز إعطاء الأرض بجزء مسمى مما يخرج منها : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عمر وسعد وابن مسعود وخباب وحذيفة ومعاذ ، رضي الله تعالى عنهم ، وهو قول عبد الرحمن بن يزيد بن موسى وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وابن المنذر ، واختلف فيها عن الليث ، وأجازها أحمد وإسحاق ، إلاَّ أنهما قالا إن البذر يكون من عند صاحب الأرض ، وإنما على العامل البقر والآلة والعمل ، وأجازه بعض أصحاب الحديث ، ولم يبال ممن جعل البذر منهما . 8 ( ( بابُ المُزَارَعَةِ بالشَّطْرِ ونَحْوِهِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم المزارعة بالشطر ، أي : بالنصف ، قال بعضهم : راعى المصنف لفظ : الشطر ، لوروده في الحديث ،