العيني
155
عمدة القاري
أو أم مبشر الأنصارية في نخل لها ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( من غرس هذا النخل أمسلم أم كافر ؟ فقالت : بل مسلم ، فقال : ( لا يغرس مسلم غرساً ، ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنس ان ولا دابة ولا شيء إلاَّ كانت له صدقة ) . وأخرجه أيضا من رواية زكريا بن إسحاق أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبد الله ، يقول : دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم معبد ولم يشك ، فذكر نحوه ، قلت : أم مبشر هذه هي امرأة زيد بن حارثة ، كما ورد في ( الصحيح ) في بعض طرق الحديث ، وقال أبو عمرو : يقال : إنها أم بشر بنت البرار بن معرور ، وقال النووي : ويقال : إن فيها أيضا أم بشير ، قال : فحصل أنه يقال لها أم مبشر وأم معبد وأم بشير ، قيل : اسمها خليدة ، بضم الخاء ولم يصح . وأما حديث زيد بن خالد . . . . . . وقال شيخنا في شرح هذا الحديث : وفي الباب مما لم يذكره الترمذي عن أبي الدرداء والسائب بن خلاد ومعاذ بن أنس وصحابي لم يسم . وأما حديث أبي الدرداء فرواه أحمد في ( مسنده ) عنه : أن رجلاً مر به وهو يغرس غرسا بدمشق ، فقال : أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا تعجل علي ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من غرس غرساً لم يأكل منه آدمي ولا خلق من خلق الله إلاَّ كان له به صدقة ) . وأما حديث السائب بن خلاد فأخرجه أحمد أيضا من رواية خلاد بن السائب عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من زرع زرعاً فأكل منه الطير أو العافية كان له صدقة ) . وأما حديث معاذ بن أنس ، فأخرجه أحمد أيضا عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من بنى بيتاً في غير ظلم ولا اعتداء ، أو غرس غرساً في غير ظلم ولا اعتداء ، كان له أجراً جارياً ما انتفع من خلق الرحمن تبارك وتعالى أحد ) ، ورواه ابن خزيمة في كتاب التوكل . وأما حديث الصحابي الذي لم يسم ، فرواه أحمد أيضا من رواية : فنج ، بفتح الفاء وتشديد النون وبالجيم ، قال : كنت أعمل في الدينباد وأعالج فيه ، فقدم يعلى بن أمية أميراً على اليمن ، وجاء معه رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاءني رجل ممن قدم معه ، وأنا في الزرع ، وفي كمه جوز ، فذكر الحديث ، وفيه فقال رجل : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول : ( من نصب شجرة فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر كان له في كل شيء يصاب من ثمرها صدقة ، عند الله ، عز وجل ) . قلت : وعند يحيى بن آدم : حدثنا عبد السلام بن حرب حدثنا إسحاق بن أبي فروة عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن أبي أسيد ، يرفعه : ( من زرع زرعاً أو غرس غرساً فله أجر ما أصابت منه العوافي ) وذكر علي بن عبد العزيز في ( المنتخب ) بإسناد حسن عن أنس ، رضي الله تعالى عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة ، فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ) . ذكر ما يستفاد منه فيه : فضل الغرس والزرع ، واستدل به بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب ، واختلف في أفضل المكاسب ، فقال النووي : أفضلها الزراعة ، وقيل : أفضلها الكسب باليد ، وهي الصنعة ، وقيل : أفضلها التجارة ، وأكثر الأحاديث تدل على أفضلية الكسب باليد . وروى الحاكم في ( المستدرك ) من حديث أبي بردة ، قال : ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الكسب أطيب ؟ قال : عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور ) . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، وقد يقال : هذا أطيب من حيث الحل ، وذاك أفضل من حيث الانتفاع العام ، فهو نفع متعد إلى غيره ، وإذا كان كذلك فينبغي أن يختلف الحال في ذلك باختلاف حاجة الناس ، فحيث كان الناس محتاجين إلى الأقوات أكثر ، كانت الزراعة أفضل ، للتوسعة على الناس ، وحيث كانوا محتاجين إلى المتجر لانقطاع الطرق كانت التجارة أفضل ، وحيث كانوا محتاجين إلى الصنائع أشد ، كانت الصنعة أفضل ، وهذا حسن . وفيه : أن الثواب المترتب على أفعال البر في الآخرة يختص بالمسلم دون الكافر ، لأن القرب إنما تصح من المسلم ، فإن تصدق الكافر أو بنى قنطرة للمارة أو شيئاً من وجوه البر لم يكن له أجر في الآخرة ، وورد في حديث آخر : أنه يطعم في الدنيابذلك ، ويجازى به من دفع مكروه عنه ، ولا يدخر له شيء منه في الآخرة . فإن قلت : قوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق هذا الحديث : ما من عبد وهو يتناول المسلم والكافر . قلت : يحمل المطلق على المقيد . وفيه : أن المرأة تدخل في قوله : ما من مسلم ، لأن هذا اللفظ من الجنس الذي إذا كان الخطاب به يدخل فيه المرأة ، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يرد بهذا اللفظ أن المسلمة إذا فعلت هذا الفعل لم يكن لها هذا الثواب ، بل المسلمة في هذا الفعل في استحقاق الثواب مثل المسلم سواء . وفيه : حصول الأجر للغارس والزارع ، وإن لم يقصدا ذلك ، حتى لو غرس وباعه أو زرع وباعه كان له بذلك صدقة لتوسعته على الناس في أقواتهم ، كما ورد الأجر للجالب ، وإن كان يفعله للتجارة والاكتساب . فإن قلت : في بعض طرق حديث جابر عند مسلم : إلاَّ كانت له صدقة إلى يوم القيامة ، فقوله : إلى يوم القيامة ، هل يريد به أن أجره لا ينقطع إلى يوم القيامة ، وإن فني الزرع والغراس ؟ أو يريد ما بقي من ذلك الزرع والغراس منتفعاً به ، وإن بقي إلى يوم القيامة ؟ قلت : الظاهر أن المراد الثاني . وزاد النووي :