العيني

115

عمدة القاري

عشرون سوطا . وقالت طائفة : لا يتجاوز بالتعزير تسعة ، وهو بعض قول الشافعي . وقالت طائفة : أكثره عشرة أسواذ فأقل لا يتجاوز به أكثر من ذلك ، وهو قول الليث بن سعد والشافعي وأصحاب الظاهر ، وأجابوا عن الحديث المرفوع ، وهو قوله ، صلى الله عليه وسلم : ( لا يجلد فوق عشر جلدات إلاَّ في حد من حدود الله ) ، بأنه في حق من يرتدع بالردع ، ويؤثر فيه أدنى الزجر كأشراف الناس وأشراف أشرافهم ، وأما السفلة وأسقاط الناس فلا يؤثر فيهم عشر جلدات ولا عشرون ، فيعزرهم الإمام بحسب ما يراه ، وقد ذكر الطحاوي حديث حمزة بن عمرو المذكور في : باب الرجل يزني بجارية امرأته ، فروى في أول الباب حديث سلمة بن المحبق : أن رجلاً زنى بجارية امرأته ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( إن كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها ، وإن كانت طاوعة فهي له وعليه مثلها ) . ثم قال : فذهب قوم إلى هذا الحديث ، وقالوا : هذا هو الحكم فيمن زنى بجارية امرأته . قلت : أراد بالقوم : الشعبي وعامر بن مطر وقبيصة والحسن ، ثم قال الطحاويي : وخالفهم في ذلك آخرون ، فقالوا : بل نرى عليه الرجم إن كان محصنا ، والجلد : إن كان غير محصن . قلت : أراد بالآخرين هؤلاء جماهير الفقهاء من التابعين ، ومن بعدهم منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم ، ثم أجابوا عن حديث سلمة بن المحبق أنه منسوخ بحديث النعمان بن بشير ، رواه الطحاوي وأبو داود والترمذي وابن ماجة ولفظ أبي داود : أن رجلاً يقال له عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته ، فرفع إلى النعمان بن بشير ، وهو أمير على الكوفة ، فقال : لأقضين فيك بقضية رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إن كانت أحلَّتها لك جلدتك مائة ، وإن لم تكن أحلَّتها لك رجمتك بالحجارة ، فوجدوها أحلَّتها له ، فجلده مائة . قال الطحاوي : فثبت بهذا ما رواه سلمة بن المحبق ، قالوا : قد عمل عبد الله بن مسعود بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما في حديث سلمة فأجاب الطحاوي عن هذا بقوله : وخالفه في ذلك حمزة بن عمرو الأسلمي ، وساق حديثه على ما ذكرناه آنفا ، وقال أيضا : وقد أنكر علي ، رضي الله تعالى عنه ، على عبد الله بن مسعود في هذا قضاءه بما قد نسخ ، فقال : حدثنا أحمد بن الحسن ، قال : حدثنا علي بن عاصم عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين ، قال : ذكر لعلي ، رضي الله تعالى عنه ، شأن الرجل الذي أتى ابن مسعود وامرأته ، وقد وقع على جارية امرأته ، فلم ير عليه حدا ، فقال علي : لو أتاني صاحب ابن أم عبد لرضخت رأسه بالحجارة ، لم يدرِ ابن أم عبد ما حدث بعده ، فأخبر علي ، رضي الله تعالى عنه ، أن ابن مسعود تعلق في ذلك بأمر قد كان ثم نسخ بعده ، فلم يعلم ابن مسعود بذلك ، وقد خالف علقمة بن قيس النخعي عن عبد الله ابن مسعود في الحكم المذكور ، وذهب إلى قول من خالف عبد الله ، والحال أن علقمة أعلم أصحاب عبد الله بعبد الله وأجلهم ، فلو لم يثبت نسخ ما كان ذهب إليه عبد الله لما خالف قوله ، مع جلالة قدر عبد الله عنده . وقال جرِيرٌ والأشْعَثُ لِعَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ في المُرْتَدِّينَ اسْتَتِبْهُمْ وكَفِّلْهُمْ فتابُوا وكَفَلَهُمْ عَشائِرُهُمْ مطابقته للترجمة في قوله : ( وكفلهم ) ولا خلاف في جواز الكفالة بالنفس ، جرير هو ابن عبد الله البجلي ، والأشعث بن قيس الكندي الصحابي ، وهذا التعليق مختصر من قصة أخرجا البيهقي بطولها من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب ، قال : صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود ، فلما سلم قام رجل فأخبره أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة ، فسمع مؤذن عبد الله بن نواحة يشهد أن مسيلمة رسول الله ، فقال عبد الله : علي بابن النواحة وأصحابه ، فجيء بهم ، فأمر قريظة بن كعب فضرب عنق ابن النواحة ، ثم استشار الناس في أولئك النفر ، فأشار إليه عدي بن حاتم بقتلهم ، فقام جرير والأشعث فقالا : بل استتبهم وكفلهم عشائرهم ، وروى ابن أبي شيبة من طريق قيس بن أبي حازم أن عدة المذكورين كانوا مائة وسبعين رجلاً ، ومعنى التكفيل هنا ما ذكرناه في حديطث حمزة بن عمرو : الضبط والتعهد حتى لا يرجعوا إلى الارتداد ، لا أنه كفالة لازمة . وقال حَمَّادٌ إذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمات فَلا شَيْءَ علَيْهِ وقال الحَكَمُ يَضْمَن حماد هو ابن أبي سليمان ، واسمه مسلم الأشعري أبو إسماعيل الكوفي الفقيه ، وهو أحد مشايخ الإمام أبي حنيفة ، رضي الله تعالى عنه ، وأكثر الرواية عنه ، وثقه يحيى بن معين والنسائي وغيرهما ، مات سنة عشرين ومائة . والحكم ، بفتحتين : هو ابن عتيبة ، ومذهبه أن الكفيل بالنفس يضمن الحق الذي على المطلوب ، وهو أحد قولي الشافعي . وقال مالك والليث والأوزاعي إذا تكفل