العيني
110
عمدة القاري
ماجة من رواية سفيان بن عيينة ، وفي الباب عن ابن عمر رواه ابن ماجة من رواية يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مطل الغني ظلم وإذا أحيل أحدكم على ملي فليحتل ) . وعن الشريد بن سويد أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة من رواية محمد بن ميمون بن مسيكة عن عمرو بن الشريد عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي : الواجد يحل عرضه وعقوبته ، وعن جابر أخرجه البزار من رواية محمد بن المنكدر عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع ) . ذكر معناه : قوله : ( مطل الغني ظلم ) ، المطل في الأصل من قولهم : مطلت الحديدة أمطلها إذا مددتها لتطول . وفي ( المحكم ) : المطل التسويف بالعدة والدين ، مطله حقه وبه يمطله مطلاً فأمطل . قال القزاز : والفاعل ماطل ومماطل ، والمفعول : ممطول ومماطل . تقول : ماطلني ومطلني حقي . وقال القرطبي : المطل عدم قضاء ما استحق أداؤه مع التمكن منه . وقال الأزهري : المطل المدافعة ، وإضافة المطل إلى الغني إضافة المصدر للفاعل هنا وإن كان المصدر قد يضاف إلى المفعول ، لأن المعنى أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه ، بخلاف العاجز ، ومنهم من قال : إنه مضاف للمفعول ، والمعنى : أنه يجب وفاء الدين ولو كان مستحقه غنيا ، ولا يكون غناه سببا لتأخيره حقه عنه ، فإذا كان كذلك في حق الغني فهو في حق الفقير أولى ، وفيه تكلف وتعسف ، وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد عند النسائي وابن ماجة : المطل ظلم الغني ، والمعنى : أنه من الظلم ، أطلق ذلك للمبالغة في التنفير عن المطل ، وقد رواه الجوزقي من طريق همام عن أبي هريرة بلفظ : إن من الظلم مطل الغني . وقال القرطبي : الظلم وضع الشيء في غير موضعه لغة ، وفي الشرع : هو محرم مذموم ، وعن سحنون : ترد شهادة الملي إذا مطل لكونه سمي ظالما . وعند الشافعي : بشرط التكرار . قوله : ( فإذا أتبع ) ، قال القرطبي : هو بضم الهمزة وسكون التاء المثناة من فوق وكسر الباء الموحدة مبنيا لما لم يسم فاعله عند الجميع . وقوله : ( فليتبع ) ، بالتخفيف من تبعت الرجل بحقي أتبعه تباعة ، بالفتح : إذا طلبته ، وقيل : فليتبع ، بالتشديد والأول أجود عند الأكثر . وقال الخطابي : إن أكثر المحدثين يقولونه بالتشديد ، والصواب التخفيف ، ومعناه : إذا أحيل فليحتل ، وقد رواه بهذا اللفظ : أحمد عن وكيع عن سفيان الثوري عن أبي الزناد ، وفي رواية ابن ماجة من حديث ابن عمر بلفظ : فإا أحلت على ملي فأتبعه وهذا بتشديد التاء بلا خلاف . وقال الرافعي : الأشهر في الروايات ، وإذا اتبع ، يعني بالواو ، ولأنهما جملتان لا تعلق لأحداهما بالأخرى . وغفل عما في ( صحيح البخاري ) هنا فإنه بالفاء في جميع الروايات ، وهو كالتوطئة والعلة لقبول الحوالة . فإن قلت : رواه مسلم بالواو ، وكذا البخاري في الباب الذي بعده . قلت : نعم لكن قال : ومن اتبع ، وقوله : لي الواجد ، قال ابن التين : لي الواجد بفتح اللام وتشديد الياء أي : مطله ، يقال : لواه بدينه ليا وليانا وأصل : لي لوى ، اجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ، والواجد ، بالجيم : الغني الذي يجد ما يقضي به دينه . قوله : يحل عرضه ، أي : لومه وعقوبته ، أي : حبسه ، هذا تفسير سفيان ، والعرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره ، وقيل : هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب ، وقال ابن قتيبة : عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير ، وفي ( الفصيح ) : العرض ريح الرجل الطيبة أو الخبيثة . ويقال : هو نقي العرض ، أي : بريء من أن يشتم أو يعاب . وقال ابن خالويه : العرض الجلد ، يقال : هو نقي العرض ، أي : لا يعاب بشيء . وقال ابن المبارك : يحل عرضه : يغلظ عليه وعقوبته يحبس به . ذكر ما يستفاد منه فيه : الزجر عن المطل . واختلف : هل يعد فعله عمدا كبيرة أم لا ؟ فالجمهور على أن فاعله يفسق ، لكن هل يثبت فسقه بمطله مرة واحدة أم لا ؟ قال النووي : مقتضى مذهبنا اشتراط التكرار ، ورد عليه السبكي في ( شرح المنهاج ) : بأن مقتضى مذهبنا عدمه ، واستدل بأن منع الحق بعد طلبه وانتفاء العذر عن أدائه كالغصب ، والغصب كبيرة ، وتسميته ظلما يشعر بكونه كبيرة ، والكبيرة لا يشترط فيها التكرار . نعم ، لا يحكم عليه بذلك إلاَّ بعد أن يظهر عدم عذره انتهى . وفيه : أن العاجز عن الأداء لا يدخل في المطل . وفيه : أن المعسر لا يحبس ولا يطالب حتى يوسر ، وقيل : لصاحب