العيني

56

عمدة القاري

المراد الشغل الحاصل من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقع في رواية مسلم عن أحمد عن يونس شيخ البخاري قال يحيى : الشغل إلى آخره ، ووقع في روايته عن إسحاق بن إبراهيم ، قال يحيى بن سعيد بهذا الإسناد ، غير أنه قال : وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية عن محمد بن رافع ، قال : فظننت أن ذلك لمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يحيى يقوله ، وفي روايته عن عمرو الناقد لم يذكر في الحديث الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروايته عن يونس بدون ذكر يحيى ، يدل على أن قوله : الشغل من رسول الله أو برسول الله صلى الله عليه وسلم من كلام عائشة ، أو من كلام من روى عنها . وأخرجه أبو داود من طريق مالك والنسائي من طريق يحيى القطان بدون هذه الزيادة ، وكذلك في رواية مسلم في روايته عن عمرو الناقد كما ذكرناه ، وقال بعضهم : وأخرجه مسلم من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بدون الزيادة ، لكن فيه ما يشعر بها ، فإنه قال فيه : فما أستطيع قضاءها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى . قلت : ليس متن حديث هذا الطريق مثل الذي ذكره ، وإنما قال مسلم : حدثني محمد بن أبي عمر المكي ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد ابن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت : إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما تستطيع أن تقضيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي شعبان . وروى الترمذي وابن خزيمة من طريق عبد الله البهي عن عائشة : ما قضيت شيئا مما يكون علي من رمضان إلاَّ في شعبان ، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم . قيل : مما يدل على ضعف الزيادة أنه ، صلى الله عليه وسلم ، كان يقسم لنسائه فيعدل ، وكان يدنو من المرأة في غير نوبتها فيقبِّل ويلمس من غير جماع ، فليس في شغلها بشيء من ذلك مما يمنع الصوم ، اللهم إلاَّ أن يقال : كانت لا تصوم إلاَّ بإذنه ولم يكن يأذن لاحتمال حاجته إليها ، فإذا ضاق الوقت أذن لها . وكان ، صلى الله عليه وسلم ، يكثر الصوم في شعبان ، فلذلك كانت لا يتهيأ لها القضاء إلاَّ في شعبان . قلت : وكانت كل واحدة من نسائه ، صلى الله عليه وسلم ، مهيئة نفسها لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لاستمتاعه من جميع أوقاته إن أراد ذلك ، ولا تدري متى يريده ، ولا تستأذنه في الصوم مخافة أن يأذن وقد يكون له حاجة فيها فتفوتها عليه ، وهذا من عادتهن ، وقد اتفق العلماء على أن المرأة يحرم عليها صوم التطوع وبعلها حاضر إلاَّ بإذنه ، لحديث أبي هريرة الثابت في مسلم : ( ولا تصوم إلاَّ بإذنه ) ، وقال الباجي : والظاهر أنه ليس للزوج جبرها على تأخير القضاء إلى شعبان ، بخلاف صوم التطوع ، ونقل القرطبي عن بعض أشياخه ، أن لها أن تقضي بغير إذنه لأنه واجب ، ويحمل الحديث على التطوع . ومما يستفاد من هذا الحديث : أن القضاء موسع ، ويصير في شعبان مضيقا ، ويؤخذ من حرصها على القضاء في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان ، فإن دخل فالقضاء واجب أيضا ، فلا يسقط . وأما الإطعام فليس في الحديث له ذكر ، لا بالنفي ولا بالإثبات ، وقد تقدم بيان الخلاف فيه . وفيه : أن حق الزوج من العشرة والخدمة يقدم على سائر الحقوق ما لم يكن فرضا محصورا في الوقت ، وقيل : قول عائشة : فما أستطيع أن أقضيه إلاَّ في شعبان ، يدل على أنها كانت لا تتطوع بشيء من الصيام ، لا في عشر ذي الحجة ، ولا في عاشوراء ولا في غيرهما ، وهو مبني على أنها ما كانت ترى جواز صيام التطوع لمن عليه دين من رمضان ، ولكن من أين ذلك لمن يقول به ، والحديث ساكت عن هذا ؟ 14 ( ( بابُ الحَائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْمَ والصَّلاةَ ) ) أي : هذا باب تذكر فيه : الحائض تترك الصوم والصلاة ، إنما قال : تترك للإشارة إلى أنه ممكن حسا ولكنها تتركهما اختيارا لمنع الشرع لها من مباشرتهما . وقال أبُو الزِّنادِ : إنَّ السُّنُنَ وَوُجُوه الحَقِّ لَتَأتِي كَثيرا عَلَى خِلافِ الرَّأيِ فَمَا يَجِدُ المُسْلِمُونَ بُدّا مِنِ اتِّبَاعِهَا مِنْ ذلِكَ أنَّ الحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ ولاَ تَقْضِي الصَّلاةَ أبو الزناد ، بكسر الزاي وبالنون : اسمه عبد الله بن ذكوان القرشي أبو عبد الرحمن المدني ، وعن ابن معين : ثقة حجة ، وعن أحمد : كان سفيان يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث ، مات سنة ثلاثين ومائة ، وهو ابن ست وستين سنة ، وأبدله ابن بطال