العيني

54

عمدة القاري

عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس فيمن عليه قضاء رمضان ، قال : يقضيه مفرقا قال الله تعالى : * ( فعدة من أيام أخر ) * ( البقرة : 481 ) . وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن معمر بسنده ، قال : صمه كيف شئت . وقال سعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ لاَ يَصْلُحُ حَتَّى يبْدأ بِرَمَضَانَ معنى هذا الكلام أن سعيدا لما سئل عن صوم العشر ؟ والحال أن على الذي سأله قضاء رمضان ، فقال : لا يصلح حتى يبدأ أولاً بقضاء رمضان ، وهذه العبارة لا تدل على المنع مطلقا ، وإنما تدل على الأولوية ، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة : عن عبدة عن سفيان عن قتادة عن سعيد أنه كان لا يرى بأسا أن يقضي رمضان في العشر ، وقال بعضهم : عقيب ذكر الإثر المذكور عن سعيد ، وصله ابن أبي شيبة عنه نحوه ، وقال صاحب ( التلويح ) : هذا التعليق رواه ابن أبي شيبة ، ثم ذكره نحو ما ذكرنا ، وليس الذي ذكره ابن أبي شيبة عنه أصلاً نحو الذي ذكره البخاري عنه ، وهذا ظاهر لا يخفى . وقال إبْرَاهِيمُ : إذا فَرَّطَ حَتَّى جاءَ رَمَضانٌ آخرُ يَصُومُهُمَا ولَم يَرَ عَلَيْهِ طَعَاما إبراهيم هو النخعي . قوله : ( إذا فرط ) من التفريط ، وهو التقصير ، يعني : إذا كان عليه قضاء رمضان ولم يقضه حتى جاء رمضان ثان فعليه أن يصومهما ، وليس عليه فدية . قوله : ( حتى جاء ) ، من المجيء ، ووقع في رواية الكشميهني : ( حتى جاز ) ، بزاي في آخره من الجواز ، ويروى : ( حتى حان ) ، بحاء مهملة ونون : من الحين ، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور من طريق يونس عن الحسن ، ومن طريق الحارث العكلي عن إبراهيم قالا : إذا تتابع عليه رمضانان صامهما ، فإن صح بينهما فلم يقضِ الأول فبئس ما صنع ، فليستغفر الله ، وليصم . ويُذْكَرُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ مُرْسلاً . وعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ يُطْعِم ولَمْ يَذْكُر الله الإطْعَامَ إنَّمَا قال : * ( فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ ) * ( البقرة : 481 ) . أشار بصيغة التمريض إلى أن الذي روى عن أبي هريرة حال كونه مرسلاً فيمن مرض ولم يصم رمضان ، ثم صح فلم يقضه حتى جاء رمضان آخر ، فإنه يطعم بعد الصوم عن رمضانين . وأخرجه عبد الرزاق موصولاً عن ابن جريج : أخبرني عطاء عن أبي هريرة ، قال : أي إنسان مرض رمضان ثم صح فلم يقضه حتى أدركه رمضان آخر فليصم الذي حدث ، ثم يقضي الآخر ، ويطعم من كل يوم مسكينا . قلت لعطاء : كم بلغك يطعم ؟ قال : مدا ، زعموا ، وأخرجه عبد الرزاق أيضا عن معمر عن أبي إسحاق عن مجاهد عن أبي هريرة نحوه ، وقال فيه : ( وأطعم عن كل يوم نصف صاع من قمح ) . وأخرج الدارقطني حديث أبي هريرة مرفوعا من طريق مجاهد ( عن أبي هريرة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في رجل أفطر في شهر رمضان ، ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر ، قال : يصوم الذي أدركه ثم يصوم الشهر الذي أفطر فهي ويطعم مكان كل يوم مسكينا ) . وفي إسناده إبراهيم بن نافع وعمر بن موسى بن وجبة ، قال الدارقطني : هما ضعيفان . وقد ذكر البرديجي أن مجاهدا لم يسمع من أبي هريرة ، فلهذا سماه البخاري مرسلاً . قوله : ( وابن عباس ) ، أي : ويروى أيضا عن ابن عباس أنه يطعم ، ووصله سعيد بن منصور عن هشيم ، والدارقطني من طريق ابن عيينة كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عباس ، قال : ( من فرط في صيام شهر رمضان حتى أدركه رمضان آخر فليصم هذا الذي أدركه ثم ليصم ما فاته ويطعم مع كل يوم مسكينا ) . قيل : عطف ابن عباس على أبي هريرة يقتضي أن يكون المذكور عن ابن عباس أيضا مرسلاً ، وأجيب بالخلاف في أن القيد في المعطوف عليه هل هو قيد في المعطوف أم لا ؟ فقيل : ليس بقيد ، والأصح اشتراكهما ، وكذلك الأصوليون اختلفوا في أن عطف المطلق على المقيد هل هو مقيد للمطلق أم لا ؟ قوله : ( ولم يذكر الله الإطعام . . . ) إلى آخره ، من كلام البخاري إنما قال ذلك لأن النص ساكت عن الإطعام ، وهو الفدية لتأخير القضاء . وظن بعضهم أنه بقية كلام إبراهيم النخعي وهو وهم ، فإنه مفصول من كلامه بأثر أبي هريرة وابن عباس ، ثم إن البخاري استدل فيما قاله بقوله تعالى : * ( فعدة من أيام أخر ) * ( البقرة : 481 ) . ولا يتم استدلاله بذلك لأنه لا يلزم من عدم ذكره في الكتاب أن لا يثبت بالسنة ، فقد جاء عن