العيني

43

عمدة القاري

ومجدح أي مخوض ، والمجدح عود ذو جوانب ، وقيل : هو عود يعرض رأسه ، والجمع مجاديح . قوله : ( الشمس ! ) ، بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذه الشمس يعني ما غربت الآن ، ويجوز فيه النصب على معنى : انظر الشمس ، وهذا ظن منه أن الفطر لا يحل إلاَّ بعد ذلك ، لما رأى من ضوء الشمس ساطعا ، وإن كان جرمها غائبا ، يؤيده قوله : ( إن عليك نهارا ) ، وهو معنى : ( لو أمسيت ) في رواية أحمد ، أي : تأخرت حتى يدخل المساء ، وتكريره المراجعة لغلبة اعتقاده أن ذلك نهار يحرم فيه الأكل مع تجويزه أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لم ينظر إلى ذلك الضوء نظرا تاما ، فقصد زيادة الإعلام ، فأعرض ، صلى الله عليه وسلم ، عن الضوء واعتبر غيبوبة الشمس ، ثم بيَّن ما يعتبره من لم يتمكن من رؤية جرم الشمس ، وهو إقبال الظلمة من المشرق ، فإنها لا تقبل منه إلاَّ وقد سقط القرص ، فإن قلت : المراجعة معاندة ، ولا يليق ذلك للصحابي ؟ قلت : قد ذكرنا أنه ظن ، فلو تحقق أن الشمس غربت ما توقف ، وإنما توقف احتياطا واستكشافا عن حكم المسألة . وقد اختلفت الروايات عن الشيباني في ذلك ، فأكثر ما وقع فيها أن المراجعة وقعت ثلاثا ، وفي بعضها مرتين ، وفي بعضها مرة واحدة ، وهو محمول على أن بعض الرواة اختصر القصة . قوله : ( ثم رمى بيده ههنا ) ، معناه أشار بيده إلى المشرق ، ويؤيد ذلك ما رواه مسلم ، ( ثم قال بيده : إذا غابت الشمس من ههنا ، وجاء الليل من ههنا فقد أفطر الصائم ) . وفي لفظ له : ( ثم قال : إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا أشار بيده نحو المشرق فقد أفطر الصائم . قوله : ( إذا رأيتم الليل أقبل من ههنا ) أي : من جهة المشرق . فإن قلت : ما الحكمة في قوله : ( إذا أقبل الليل من ههنا ؟ ) . وفي لفظ مسلم : ( إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا ؟ وفي لفظ الترمذي ، عن عمر بن الخطاب : ( إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس فقد أفطر ) ، والإقبال والإدبار والغروب متلازمة لأنه لا يقبل الليل إلاَّ إذا أدبر النهار ، ولا يدبر النهار إلاَّ إذا غربت الشمس . قلت : أجاب القاضي عياض : بأنه قد لا يتفق مشاهدة عين الغروب ، ويشاهد هجوم الظلمة حتى يتيقن الغروب بذلك فيحل الإفطار . وقال شيخنا الظاهر إن أريد أحد هذه الأمور الثلاثة فإنه يعرف انقضاء النهار برؤية بعضها ، ويؤيده اقتصاره في حديث ابن أبي أوفى على إقبال الليل فقط ، وقد يكون الغيم في المشرق دون المغرب أو عكسه ، وقد يشاهد مغيب الشمس فلا يحتاج معه إلى أمر آخر . قوله : ( فقد أفطر الصائم ) أي : دخل وقت الإفطار ، لا أنه يصير مفطرا بغيبوبة الشمس ، وإن لم يتناول مفطرا . ذكر ما يستفاد منه : الحديث يدل على أن الصوم في السفر في رمضان أفضل من الإفطار ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان صائما وهو في السفر في شهر رمضان . وقد اختلفوا في هذا الباب . فمنهم من روى عنه التخيير منهم : ابن عباس وأنس وأبو سعيد وسعيد بن المسيب وعطاء وسعيد بن جبر والحسن والنخعي ومجاهد والأوزاعي والليث . وذهب قوم إلى أن الإفطار أفضل ، منهم : عمر بن عبد العزيز والشعبي وقتادة ومحمد بن علي والشافعي وأحمد وإسحاق . وقال ابن العربي : قالت الشافعية : الفطر أفضل في السفر ، وقال أبو عمر : قال الشافعي : هو مخير ولم يفصل ، وكذلك قال ابن علية ، وقال القاضي : مذهب الشافعي أن الصوم أفضل . وممن كان لا يصوم في السفر حذيفة . وذهب قوم إلى أن الصوم أفضل ، وبه قال الأسود بن يزيد وأبو حنيفة وأصحابه . وفي ( التوضيح ) : وبه قال الشافعي ومالك وأصحابه وأبو ثور ، وكذا روى عن عثمان بن أبي العاص وأنس بن مالك ، وروي عن عمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس : إن صام في السفر لم يجزه وعليه القضاء في الحضر ، وعن عبد الرحمن بن عوف ، قال : الصائم في السفر كالمفطر في الحضر ، وبه قال أهل الظاهر . وممن كان يصوم في السفر ولا يفطر عائشة وقيس بن عباد وأبو الأسود وابن سيرين وابن عمر وابنه سالم وعمرو بن ميمون وأبو وائل ، وقال علي ، رضي الله تعالى عنه ، فيما رواه حماد بن يزيد عن أيوب عن محمد بن عبيدة عنه : من أدرك رمضان وهو مقيم ثم سافر فقد لزمه الصوم ، لأن الله تعالى قال : * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * ( البقرة : 581 ) . وقال أبو مجلز : لا يسافر أحد في رمضان ، فإن سافر فليصم ، وقال أحمد : يباح له الفطر ، فإن صام كره وأجزأه ، وعنه : الأفضل الفطر ، وقال أحمد : كان عمر وأبو هريرة يأمران بالإعادة ، يعني إذا صام . وقال الإسبيجابي في ( شرح مختصر الطحاوي ) : الأفضل أن يصوم في السفر إذا لم يضعفه الصوم ، فإن أضعفه ولحقه مشقة بالصوم بالفطر أفضل ، فإن أفطر من غير مشقة لا يأثم ، وبما قلناه قال مالك والشافعي . قال النووي : هو المذهب .