العيني

33

عمدة القاري

منه أن يرد على الكوفيين مع علمه أن احتجاجهم قوي صحيح ، وأعجب منه أنه قال في رواية مسلم هذه : ووجهه أن كان محفوظا ، وقد ردينا عليه ما قاله فيما مضى عن قريب ، وكذلك قوله : وفيه رد على الجوهري ، غير صحيح ، لأنه لم يحصر ما قاله في ذلك : غاية ما في الباب أنه نقل أحد المعاني التي قالوا في المكتل وسكت عليه . قوله : ( فتصدق به ) وزاد ابن إسحاق : ( فتصدق عن نفسك ) ، ويؤيده رواية منصور في الباب الذي يليه بلفظ : ( أطعم هذا عنك ) . قوله : ( أعَلَى أفقر منى ؟ ) أي : أتصدق به على شخص أفقر منى ؟ وفي حديث ابن عمر ، أخرجه البزار والطبراني في ( الأوسط ) ( إلى من أدفعه ؟ قال : إلى أفقر من تعلم ) وفي رواية إبراهيم بن سعد : ( أعلى أفقر من أهلي ؟ ) ولابن مسافر : ( أعلى أهل بيت أفقر منى ؟ ) والأوزاعي : ( أعلى غير أهلي ؟ ) ولمنصور : ( أعلى أحوج منا ؟ ) ولابن إسحاق ( وهل الصدقة إلاَّ لي وعلي ؟ ) . قوله : ( فوالله ما بين لابتيها ) اللابتان ، بالباء الموحدة المفتوحة ثم بالتاء المثناة من فوق : عبارة عن حرتين تكتنفان المدينة ، وهي تثنية : لابة ، والحرة ، بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء : الأرض ذات حجارة سود . قوله : ( يريد الحرتين ) ، من كلام بعض رواته ، ووقع في حديث ابن عمر المذكور : ( ما بين حرتيها ) وفي رواية الأوزاعي الآتي في الأدب : ( والذي نفسي بيده ما بين طنبي المدينة . . . ) وهو تثنية : طنب ، بضم الطاء المهملة والنون : أحد أطناب الخيمة ، واستعاره للطرف . قوله : ( أهل بيت أفقر من أهل بيتي ) لفظ : أهل ، مرفوع لأنه اسم : ما ، النافية . و : أفقر ، منصوب لأنه خبرها ، ويجوز رفعه على لغة تميم ، وفي رواية يونس : ( أفقر مني ومن أهل بيتي ؟ ) وفي رواية عقيل : ( ما أحد أحق به من أهلي ، ما أحد أحوج إليه مني ) وفي مرسل سعيد من رواية داود عنه : ( والله ما لعيالي من طعام ) . وفي حديث عند ابن خزيمة : ( ما لنا عشاء ليلة ) . قوله : ( فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ) ، وفي رواية ابن إسحاق : ( حتى بدت نواجده ) ، ولأبي قرة في ( السنن ) عن ابن جريج : ( حتى بدت ثناياه ) ، قيل : لعلها تصحيف من أنيابه ، فإن الثنايا تتبين بالتبسم غالبا ، وظاهر السياق إرادة الزيادة على التبسم ، ويحمل ما ورد في صفته صلى الله عليه وسلم أن ضحكه كان تبسما غالب أحواله ، وقيل : كان لا يضحك إلاَّ في أمر يتعلق بالآخرة ، فإن كان في أمر الدنيا لم يزد على التبسم . وقيل : إن سبب ضحكه صلى الله عليه وسلم كان من تباين حال الرجل ، حيث جاء خائفا على نفسه راغبا في فداها مهما أمكنه ، فلما وجد الرخصة طمع أن يأكل ما أعطيه في الكفارة . وقيل : ضحك من حال الرجل في مقاطع كلامه وحسن تأتيه وتلطفه في الخطاب وحسن توسله في توصله إلى مقصوده . قوله : ( ثم قال : أطعمه أهلك ) وفي رواية لابن عيينة في الكفارات : ( أطعمه عيالك ) . وفي رواية إبراهيم بن سعد : ( فأنتم إذا ) ، وقدم ذلك على ذكر الضحك ، وفي رواية أبي قرة عن ابن جريج : ( ثم قال : كله ) ، وفي رواية ابن إسحاق : ( خذها وكلها وأنفقها على عيالك ) . ذكر ما يستفاد منه : قد ذكرنا في الباب الذي قبله ما يتعلق به وبغيره من الأحكام ، فلنذكر هنا ما لم نذمر هناك . ففيه : أن من جاء مستفتيا فيما فيه الاجتهاد دون الحدود المحدودة أنه لا يلزمه تعزير ولا عقوبة كما لم يعاقب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، الأعرابي على هتك حرمة الشهر ، قاله عياض : قال : لأن في مجيئه واستفتائه ظهور توبته وإقلاعه ، قال : ولأنه لو عوقب كل من جاء بجيئه لم يستفت أحد غالبا عن نازلة مخافة العقوبة ، بخلاف ما فيه حد محدود ، وقد بوب عليه البخاري في كتاب المحاربين : باب من أصاب ذنبا دون الحد ، فأخبر الإمام فلا عقوبة عليه ، بعد أن جاء مستفتيا . وفي رواية أبي ذر : مستعتبا ، ثم قال البخاري : وقال ابن جريج : ولم يعاقب الذي جامع في رمضان . فإن قلت : وقع في ( شرح السنة ) للبغوي : أن من جامع متعمدا في رمضان فسد صومه . وعليه القضاء والكفارة ، ويعزر على سوء صنيعه . قلت : هو محمول على من لم يقع منه ما وقع من صاحب هذه القصة من الندم والتوبة . وفيه : أن الكفارة مرتبة ككفارة الظهار ، وهو قول أكثر العلماء إلاَّ أن مالك بن أنس زعم أنه مخير بين عتق الرقبة وصوم شهرين والإطعام ، وحكي عنه أنه قال : الإطعام أحب إلي من العتق ، ووقع في ( المدونة ) : ولا يعرف مالك غير الإطعام ولا يأخذ بعتق ولا صيام . وقال ابن دقيق العيد : وهي معضلة لا يهتدي إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثابت ، غير أن بعض المحققين من أصحابه حل هذا اللفظ وتأوله على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال ، وذكر أصحابه في هذا