العيني

129

عمدة القاري

وقال سهل بن عبد الله : لأن الله تعالى يقدر الرحمة فيها على عباده المؤمنين ، وقيل : لأنه ينزل فيها إلى الأرض ثلاثة من الملائكة أولي قدر وخطر ، وعن الخليل بن أحمد : لأن الأرض يضيق فيها بالملائكة من قوله ويقدر . * ( ومن قدر عليه رزقه ) * ( الطلاق : 7 ) . وقيل : القدر هنا بمعنى : القدر ، بفتح الدال الذي يواخي القضاء ، والمعنى : أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة ، لقوله تعالى : * ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) * ( الدخان : 4 ) . وقيل : إنما جاء القدر بسكون الدال ، وإن كان الشائع في القدر الذي هو يواخي القضاء فتح الدال ليعلم أنه لم يرد به ذلك ، وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء ، وإظهاره وتحديده في تلك السنة ، لتحصيل ما يلقى إليهم فيها مقدارا بمقدار . وقَوْلِ الله تعالى : * ( إنَّا أنزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ وما أدْرَاكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ المَلاَئِكَةُ والرُّوحُ فِيها بإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ ) * ( القدر : كاملة ) . قول الله بالجر عطف على قوله : ( فضل ليلة القدر ) ، أي : وفي بيان تفسير قول الله تعالى ، وفي رواية أبي ذر : وقال الله تعالى : * ( إنا أنزلناه . . . ) * ( القدر : 1 ) . إلى آخره ، وفي رواية كريمة : السورة كلها مذكورة ، ومطابقة ذكر هذه السورة عقيب الترجمة في ليلة القدر لكونها في هذه السورة قد ذكرت مكررة لأجل تفضيلها ، وهذه السورة مائة واثنا عشر حرفا ، وثلاثون كلمة ، وخمس آيات وهي ، مدنية ، قاله الضحاك ومقاتل ، والأكثر على أنها مكية . وقال الواقدي : هي أول سورة نزلت بالمدينة . * ( إنا أنزلناه ) * ( القدر : 1 ) . أي : القرآن جملة واحدة في ليلة القدر ، من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، فوضعناه في بيت العزة ، وأملاه جبريل ، عليه السلام ، على السفرة ، ثم كان ينزله جبريل ، عليه السلام ، على محمد ، صلى الله عليه وسلم ، نجوما ، فكان بين أوله إلى آخرة ثلاثة وعشرون سنة ، ثم عجب نبيه ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : * ( وما أدراك ما ليلة القدر ) * ( القدر ) . يعني : ولم تبلغ درايتك غاية فضلها ، ومنتهى علو قدرها . قوله : * ( ليلة القدر خير من ألف شهر ) * ( القدر ) . وسبب نزولها ما ذكره الواحدي بإسناده عن مجاهد ، قال : ذكر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر ، فعجب المسلمون من ذلك ، فأنزل الله تعالى عز وجل : * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ، وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ) * ( القدر ) . قال : خير من الذي لبس السلاح فيها ذلك الرجل . انتهى . وذكر بعض المفسرين ، رحمة الله تعالى عليهم ، أنه كان في الزمن الأول نبي يقال له : شمسون ، عليه السلام ، قاتل الكفرة في دين الله ألف شهر ولم ينزع الثياب والسلاح ، فقالت الصحابة : يا ليت لنا عمرا طويلاً حتى نقاتل مثله ؟ فنزلت هذه الآية ، وأخبر ، صلى الله عليه وسلم ، أن ليلة القدر خير من ألف شهر الذي لبس السلاح فيها شمسون في سبيل الله ، والظاهر أن ذلك الرجل الذي ذكره الواحدي هو : شمسون هذا ، وعن أبي الخطاب : الجارود ابن سهيل . حدثنا مسلم بن قتيبة حدثنا القاسم بن فضل ، حدثنا عيسى بن مازن ، قال : قلت للحسن بن علي ، رضي الله تعالى عنهما : عمدت لهذا الرجل فبايعت له ، يعني : معاوية ، فقال : إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أري بني أمية يعلون منبره خليفة بعد خليفة ، فشق ذلك عليه ، فأنزل الله سورة القدر . قال القاسم : فحسبنا ملك بني أمية فإذا هو ألف شهر . وقيل : ذكر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوما أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله ثمانين سنة لم يعصوا طرفة عين ، فعجبت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من ذلك ، فأتاه جبريل ، عليه السلام ، فقال : يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله طرفة عين ؟ فقد أنزل الله عليك خيرا من ذلك ، ثم قرأ عليه : * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) * ( القدر ) . الآيات ، وقال : هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك ، فسر النبي صلى الله عليه وسلم والناس معه . وذكر في بعض الكتب أن أبا عروة ، قال : ذكر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوماأربعة من بني إسرائيل ، فقال : عبدوا الله ثمانين عاما لم يعصوه طرفة عين ، فذكر أيوب وزكريا وحزقيل ويوشع بن نون ، عليهم الصلاة والسلام ، ثم ذكر الباقي نحو ما ذكرنا . وعن ابن عباس : تفكر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في أعمار أمته وأعمار الأمم السالفة ، فأنزل الله هذه السورة وخص هذه الأمة بتضعيف الحسنات لقصر أعمارهم ، ويقال : إن