العيني

104

عمدة القاري

لفظ : أن ينفرد بصومه ، أي : يصوم يوم الجمعة ، وفي رواية الكشميهني : ( أن ينفرد بصوم ) ، وغير أبي عاصم هو يحيى بن سعيد القطان ، وقال النسائي : حدثنا عمرو بن علي ( عن يحيى عن ابن جريج : ( أخبرني محمد بن عباد بن جعفر ، قال : قلت لجابر : أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم ؟ قال : أي ورب الكعبة ) . وروى النسائي أيضا من طريق النضر بن شميل ، ولفظه : ( أن جابر سئل عن صوم يوم الجمعة ؟ فقال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفرد ) . وروى أيضا من طريق حفص بن غياث ، ولفظه : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة منفردا ) ، وروى النسائي أيضا من حديث سعيد بن المسيب ( عن عبد الله ابن عمرو : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على جويرية بنت الحارث يوم الجمعة وهي صائمة ، فقال لها : ( أصمتِ أمس ؟ قالت : لا ، قال : أتريدين أن تصومي غدا . قالت : لا ، قال : فأفطري ) . وروى النسائي أيضا من حديث محمد بن سيرين ( عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا الدرداء ؟ لا تخص يوم الجمعة بصيام دون الأيام ، ولا تخص ليلة الجمعة بقيام دون الليالي ) ، وابن سيرين لم يسمع من أبي الدرداء ، وقد اختلف فيه على ابن سيرين ، فقيل : هكذا ، وقيل : عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة . وروى أحمد عن ابن عباس بلفظ : ( لا تصوموا يوم الجمعة ) ، وفي إسناده : الحسين بن عبد الله بن عبيد الله ، وثقه ابن معين وضعفه الجمهور . وروى الطبراني في ( الكبير ) من حديث بشير بن الخصاصية بلفظ ( لا تصم يوم الجمعة إلاَّ في أيام هو أحدها ) ، ورجاله ثقات . وروى الطبراني أيضا من رواية صالح بن جبلة ( عن أنس : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من صام الأربعاء والخميس والجمعة بنى الله له في الجنة قصرا من لؤلؤ وياقوت وزبرجد ، وكتب له براءة من النار ) وصالح بن جبلة ضعفه الأزدي ، ففي هذا صوم يوم الجمعة مع يوم قبله ، وروى البزار من حديث عامر بن كدين بلفظ : إن يوم الجمعة فلا تصوموه إلاَّ أن تصوموا يوما قبله أو بعده ) . وروى النسائي من رواية حذيفة البارقي ( عن جنادة الأزدي : أنهم دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية نفر ، وهو ثامنهم ، فقرب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما يوم جمعة ، قال : كلوا . قالوا : صيام ! قال : أصمتم أمس ؟ قالوا : لا ، قال : فصائمون غدا ؟ قالوا : لا . قال : فأفطروا ) . فإن قلت : يعارض هذه الأحاديث ما رواه الترمذي من حديث عاصم عن زر ( عن عبد الله ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل غرة شهر ثلاثة أيام وقل ما كان يفطر يوم الجمعة ) ؟ وقال : حديث حسن غريب ، ورواه النسائي أيضا ، وما رواه ابن أبي شيبة حدثنا حفص حدثنا ليث عن عمير بن أبي عمير ( عن ابن عمر ، قال : ما رأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، مفطرا يوم جمعة قط ) . وما أخرجه أيضا عن حفص عن ليث عن طاوس ( عن ابن عباس قال : ما رأيته مفطرا يوم جمعة قط ) . قلت : لا نسلم هذه المعارضة لأنه لا دلالة فيها على أنه صلى الله عليه وسلم صام يوم الجمعة وحده ، فنهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة في هذه الأحاديث يدل على أن صومه يوم الجمعة لم يكن في يوم الجمعة وحده ، بل إنما كان بيوم قبله أو بيوم بعده ، وذلك لأنه لا يجوز أن يحمل فعله على مخالفة أمره إلاَّ بنص صريح صحيح ، فحينئذ يكون نسخا أو تخصيصا ، وكل واحد منهما منتف . وأما حكم المسألة فاختلفوا في صوم يوم الجمعة على خمسة أقوال : أحدها : كراهته مطلقا ، وهو قول النخعي والشعبي والزهري ومجاهد ، وقد روي ذلك عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، وقد حكى أبو عمر عن أحمد وإسحاق كراهته مطلقا ، ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر ، رضي الله تعالى عنهم ، وشبهوه بيوم العيد ، ففي الحديث الصحيح : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( إن هذا يوم جعله الله عيدا ) وروى النسائي من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لا صيام يوم عيد ) . القول الثاني : إباحته مطلقا من غير كراهة ، وروي ذلك عن ابن عباس ومحمد بن المنكدر ، وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن ، وقال مالك : لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدي به ينهى عن صيام يوم الجمعة ، قال : وصيامه حسن . القول الثالث : أنه يكره إفراده بالصوم ، فإن صام يوما قبله أو بعده لم يكره ، وهو قول أبي هريرة ومحمد بن سيرين وطاووس وأبي يوسف ، وفي ( كتاب الطراز ) : واختاره ابن المنذر ، واختلف عن الشافعي ، فحكى المزني عنه جوازه ، وحكى أبو حامد في تعليقه عنه كراهته ، وكذا حكاه ابن الصباغ عن تعليق أبي حامد ، وهذا هو الصحيح الذي يدل عليه حديث أبي هريرة ، وبه جزم الرافعي والنووي في ( الروضة ) . وقال