العيني

93

عمدة القاري

فقال أبو علي بن السكن : هو محمد بن بشار ، وقال الكلاباذي : هو محمد بن بشار أو محمد بن المثنى . قال : وروى البخاري أيضا في ( جامعه ) عن محمد بن عبد الله الذهلي ، وقال بعضهم : وجزم غيره بأنه الهذلي . قلت : لم أر أحدا جزم به ، وإنما وقع الاختلاف في هؤلاء المحمدين ، فقال ابن السكن : هو محمد بن بشار ولم يجزم به ، وقال الكلاباذي بالشك بين محمد بن بشار وبين محمد ابن المثنى . قال : وروى البخاري في ( جامعه ) أيضا عن محمد بن عبد الله الذهلي ولم يجزم بأحد منهم . الثاني : عثمان بن عمر بن فارس العبدي البصري . الثالث : يونس بن يزيد الأيلي . الرابع : محمد بن مسلم الزهري . فإن قلت : ما تقول في هذا الحديث ؟ هل هو مسند أم مرسل ؟ قلت : قال الكرماني : هذا من مراسيل الزهري ، ولا يصير مسندا بما ذكره آخرا لأنه قال : يحدث بمثله لا بنفسه . انتهى . وقال بعضهم : هو بالإسناد المصدر به الباب ، ولا اختلاف بين أهل الحديث بأن الإسناد بمثل هذا السياق موصول ، وغايته أنه من تقديم المتن على بعض السند ، وإنما اختلفوا في جواز ذلك ، ثم قال : وأغرب الكرماني ، فقال : ونقل ما قاله الذي ذكرناه عنه ، ثم قال : وليس مراد المحدث بقوله : في هذا بمثله إلاَّ نفسه ، ثم احتج في دعواه بما رواه الإسماعيلي عن ابن ناجية عن ابن المثنى وغيره عن عثمان بن عمر ، وقال في آخره : قال الزهري : سمعت سالما يحدث بهذا عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فعرف أن المراد بقوله : بمثله : نفسه . انتهى . قلت : ليت شعري من أين هذا التصرف ، وكيف يصح احتجاجه في دعواه بحديث الإسماعيلي ، فإن الزهري فيه صرح بالسماع عن سالم ، وسالم صرح بالتحديث عن أبيه ، وأبوه صرح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف يدل هذا على أن المراد بقوله بمثله نفسه ؟ وهذا شيء عجيب ، لأن بين قوله : يحدث بهذا عن أبيه ، وبين قوله : يحدث مثل هذا عن أبيه ، فرقا عظيما لأن مثل الشيء غيره ، فكيف يكون نفسه ؟ تيقظ فإنه موضع التأمل . قوله : ( رافعا يديه ) ، نصب على الحال . قوله : ( يدعو ) جملة وقعت حالا أيضا إما من الأحوال المتداخلة أو المترادفة . وبقية الكلام قد مرت آنفا . 341 ( ( بابُ الطِّيبِ بَعْدَ رَمْيِ الجِمَارِ والحَلْقِ قَبْلَ الإفَاضَةِ ) ) أي : هذا باب في بيان استعمال الطيب بعد رمي جمرة العقبة وبعد الحلق قبل الإفاضة أي : قبل طواف الزيارة وهو طواف الركن ، وإنما لم يشر إلى الحكم في ذلك في الترجمة لأجل الخلاف فيه . قال ابن المنذر : اختلف العلماء فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت ، فروى عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنه ، وابن الزبير وعائشة ، رضي الله تعالى عنها : أنه يحل له كل شيء إلاَّ النساء ، وهو قول سالم وطاووس والنخعي ، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، واحتجوا فيه بحديث الباب ، وروى عن ابن عمر وابنه : أنه يحل له كل شيء إلاَّ النساء والطيب وقال مالك يحل له كل شيء إلا النساء والصيد . وفي ( المدونة ) : أكره لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى يفيض فإن فعل فلا شيء عليه . قلت : مذهب عروة بن الزبير وجماعة من السلف ، رضي الله تعالى عنهم ، أنه لا يحل للحاج اللباس والطيب يوم النحر وإن رمى جمرة العقبة وحلق وذبح حتى تحل له النساء ، ولا تحل له النساء حتى يطوف طواف الزيارة . واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي : حدثنا يحيى بن عثمان ، قال : حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أم قيس بنت محصن ، قالت : دخل علي عكاشة بن محصن وآخر في منىً مساء يوم الأضحى ، فنزعا ثيابهما وتركا الطيب . فقلت : ما لكما ؟ فقالا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : من لم يفضِ إلى البيت من عشية هذه فليدع الثياب والطيب . وقال علقمة وسالم وطاووس وعبيد الله بن الحسن وخارجة بن زيد وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد في ( الصحيح ) وأبو ثور وإسحاق : إذا رمى المحرم جمرة العقبة ثم حلق حل له كل شيء كان محظورا بالإحرام إلاَّ النساء . واختلفوا في حكم الطيب . فقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد في رواية : حكم الطيب حكم اللباس فيحل كما يحل اللباس . وقال مالك وأحمد في رواية : حكم الطيب حكم الجماع فلا يحل له حتى يحل الجماع . واحتج أبو حنيفة ومن معه بحديث الباب . وقال صاحب ( التوضيح ) : واحتج الطحاوي لأصحابه بحديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، مرفوعا : ( إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلاَّ النساء ) . وفيه الحجاج بن أرطأة ، وبحديث الحسن البصري عن ابن عباس ولم يسمع منه ، ( قال : إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم