العيني

83

عمدة القاري

الحج الأكبر ، والعمرة يقال لها الحج الأصغر . وقيل : الحج الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو واقفا فيه : الحج الأكبر ، وقيل إنما قال : عليه الصلاة والسلام : ( هذا يوم الحج الأكبر ) لاجتماع المسلمين والمشركين فيه ، وموافقته لأعياد أهل الكتاب . وقال الترمذي : باب ما جاء في الحج الأكبر : حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد حدثنا أبي عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن الحارث ( عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، قال : سألت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن يوم الحج الأكبر ؟ فقال : يوم النحر ) . ورواه الترمذي ، رحمه الله تعالى أيضا عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، موقوفا ، وقال : وهو الأصح . قلت : انفرد الترمذي بإخراجه مرفوعا وموقوفا ، وقد روي من غير طريق ابن إسحاق عن أبي إسحاق مرفوعا ، ورواه ابن مردويه في تفسيره من رواية مغيرة الضبي ، ومن رواية الأجلح كلاهما عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، وفي الباب عن عبد الله بن عمر ، وقد ذكر الآن وعن أبي هريرة رواه أبو داود عنه ، قال : ( بعثني أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ) . ويوم الحج الأكبر يوم النحر ، والحج الأكبر الحج . وعن عبد الله بن أبي أوفى رواه ابن مردويه في تفسيره عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يوم الأضحى يوم الحج الأكبر ) . وفي إسناده ضعف . وعن عمرو بن الأحوص رواه الترمذي في حديث طويل في الفتن والتفسير عنه قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع ، فقال : أي يوم هذا قالوا : يوم الحج الأكبر ) . وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، رواه النسائي عنه ، قال : ( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة حمراء مخطومة ، فقال : أتدرون أي يوم هذا ؟ قالوا : يوم النحر . قال : صدقتم يوم الحج الأكبر ) . وقد ورد أن الحج الأكبر يوم عرفة ، وهو ما رواه ابن مردويه في تفسيره من رواية ابن جريج عن محمد بن قيس ( عن المسور بن مخرمة ، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفات ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد فإن هذا اليوم يوم الحج الأكبر ) ، ولا يعارض هذا الأحاديث المذكورة لمجيئها من عدة طرق صحيحة ، بخلاف حديث المسور لأنه فردا ، وتؤول هذا كتأويل قوله : ( الحج عرفة ) ، على معنى أن الوقوف هو المهم من أفعاله ، لكون الحج يفوت بفواته ، وكذلك قوله : ( يوم النحر يوم الحج الأكبر ) ، بمعنى أن أكثر أفعال الحج من الرمي والحلق والطواف فيه ، وفي ( شرح الترمذي ) لشيخنا زين الدين ، رحمه الله تعالى . واختلف العلماء في يوم الحج الأكبر على أقوال : أحدها : أنه يوم النحر ، وهو قول علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، وعبد الله بن أبي أوفى والشعبي ومجاهد . والقول الثاني : أنه يوم عرفة ، ويروى ذلك عن عمر وابنه عبد الله بن عمر . والقول الثالث : أنه أيام الحج كلها ، وقد يعبر عن الزمان باليوم كقولهم : يوم بعاث ويوم الجمل ويوم صفين ونحو ذلك ، وهو قول سفيان الثوري . وقال مجاهد : الأكبر القران ، والأصغر الإفراد ، وروى ابن مردويه في تفسيره من رواية الحسن عن سمرة قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( يوم الحج الأكبر يوم حج أبو بكر الصديق ، رضي الله تعالى عنه ) . زاد في رواية : ( بالناس ) . قوله : ( فطفق النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يقول . . . ) إعلم أن طفق من أفعال المقاربة ، وهي على ثلاثة أنواع : منها : ما وضع للدلالة على الشروع في الخبر ، وكلمة طفق من هذا القبيل ، وهو يعمل عمل كاد إلاَّ أن خبره يجب أن يكون جملة ، وههنا قول : يقول ، جملة وقعت خبرا له . وقال الجوهري : طفق يفعل كذا يطفق طفقا ، أي : جعل يفعل . ومنه قوله تعالى : * ( وطفقا يخصفان ) * ( الأعراف : 22 وطه : 121 ) . قال الأخفش : وبعضهم يقول : طفق ، بالفتح ، يطفق طفوقا . انتهى . قلت : الأول : من باب علم يعلم ، والثاني : من باب ضرب يضرب ، فافهم . ووقع في رواية ابن ماجة وغيره بين قوله : ( يوم الحج الأكبر ) ، وبين قوله : ( فطفق ) من الزيادة وهي قوله : ( ودماؤكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا اليوم ) . قوله : ( فودع الناس ) ، لأنه علم أنه لا يتفق له بعد هذا وقفة أخرى ولا اجتماع آخر مثل ذلك ، وسبب ذلك ما رواه البيهقي وهو : ( أنه أنزلت * ( إذا جاء نصر الله والفتح ) ( الفتح : 1 ) . على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق ، وعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت له ، فركب فوقف بالعقبة واجتمع الناس إليه ، فقال : يا أيها الناس إن كل دم كان في الجاهلية . . . ) الحديث بطوله ، ورواه ابن أبي شيبة : حدثنا زيد بن الحباب حدثنا موسى بن عبيدة ، الربذي حدثني صدقة بن يسار ( عن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، قال : إن هذه السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق بمنىً وهو في حجة الوداع * ( إذا جاء نصر الله والفتح ) * ( الفتح : 1 ) . حتى ختمها ، فعرف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أنه