العيني

63

عمدة القاري

في ( المسند ) ما يقتضي أنه أرسل شعر الشق الأيمن مع أنس إلى أمه أم سليم امرأة أبي طلحة فإنه قال فيها : لما حلق رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، رأسه بمنىً أخذ شق رأسه الأيمن بيده ، فلما فرغ ناولني فقال : يا أنس انطلق بهذا إلى أم سليم ، قال : فلما رأى الناس ما خصنا به تنافسوا في الشق الآخر ، هذا يأخذ الشيء ، وهذا يأخذ الشيء . قال شيخنا زين الدين : وكأن المحب الطبري رجح رواية تفرقة الشق الأيمن بكثرة الرواة ، فإن حفص بن غياث وعبد الأعلى اتفقا على ذلك عن هشام ، وخالفهما ابن عيينة وحده ، ثم قال الشيخ : وقد ترجح تفرقة الإيسر بكونه متفقا عليه ، وتفرقة الأيمن من أفراد مسلم ، فقد وقع عند البخاري من رواية ابن عون عن ابن سيرين ( عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره ) ، فهذا يدل على أن الذي أخذه أبو طلحة الأيمن ، وإن كان يجوز أن يقال : أخذه ليفرقه ، فالظاهر أنه إنما أراد الذي أخذه أبو طلحة لنفسه ، فقد اتفق ابن عون عن هشام من طريق ابن عيينة عنه ، على أن أبا طلحة أخذ الشق الأيمن ، واختلف فيه على هشام ، فكانت الرواية التي لا اختلاف فيها أولى بالقبول ، والله أعلم . النوع الثاني : أن فيه ما يدل على وجوب استيعاب حلق الرأس ، لأنه صلى الله عليه وسلم حلق جميع رأسه ، وقال : ( خذوا عني مناسككم ) ، وبه قال مالك وأحمد في رواية ، كالمسح في الوضوء ، وقال مالك في المشهور عنه : يجب حلق أكثر الرأس ، وبه قال أحمد في رواية ، وقال عطاء : يبلغ به إلى العظمين اللذين عند منتهى الصدغين ، لأنهما منتهى نبات الشعر ، ليكون مستوعبا لجميع رأسه . وقال أبو حنيفة : يجب حلق ربع الرأس وقال أبو يوسف : يجب حلق نصف الرأس ، وذهب الشافعي إلى أنه يكفي حلق ثلاث شعرات ، ولم يكتف بشعرة أو بعض شعرة ، كما اكتفى بذلك في مسح الرأس في الوضوء . النوع الثالث : أنه يستدل به على أفضلية الحلق على التقصير ، وسنبينه في الحديث الآتي ، إن شاء الله تعالى . النوع الرابع : أن فيه طهارة شعر الآدمي ، وهو قول جمهور العلماء ، وهو الصحيح من مذهب الشافعي ، وخالف في ذلك أبو جعفر الترمذي منهم ، فخصص الطهارة بشعره صلى الله عليه وسلم وذهب إلى نجاسة شعر غيره . النوع الخامس : فيه التبرك بشعره صلى الله عليه وسلم ، وغير ذلك من آثاره بأبي وأمي ونفسي هو ، وقد روى أحمد في ( مسنده ) بسنده إلى ابن سيرين أنه قال : فحدثنيه عبيدة السلماني يريد : هذا الحديث فقال : لأن يكون عندي شعرة منه أحب إلي من كل بيضاء وصفراء على وجه الأرض . وفي بطنها ، وقد ذكر غير واحد أن خالد بن الوليد ، رضي الله تعالى عنه ، كان في قلنسوته شعرات من شعره صلى الله عليه وسلم ، فلذلك كان لا يقدم على وجه إلاَّ فتح له ، ويؤيد ذلك ما ذكره الملا في ( السيرة ) : أن خالدا سأل أبا طلحة حين فرق شعره صلى الله عليه وسلم بين الناس أن يعطيه شعر ناصيته ، فأعطاه إياه ، فكان مقدم ناصيته مناسبا لفتح كل ما أقدم عليه . النوع السادس : أن فيه أنه لا بأس باقتناء الشعر البائن من الحي وحفظه عنده ، وأنه لا يجب دفنه ، كما قال بعضهم : إنه يجب دفن شعور بني آدم ، أو يستحب ، وذكر الرافعي في سنن الحلق ، فقال : وإذا حلق فالمستحب أن يبدأ بالشق الأيمن ثم بالأيسر ، وأن يكون مستقبل القبلة ، وإنما يكبر بعد الفراغ ، وأن يدفن شعره . وزاد المحب الطبري فذكر من سننه صلاة ركعتين بعده ، فسننه إذا خمسة . النوع السابع : فيه مواساة الإمام والكبير بين أصحابه فيما يقسمه بينهم ، وإن فاضل بينهم لأمر اقتضى ذلك . النوع الثامن : فيه أنه لا بأس بتفضيل بعضهم على بعض في القسمة لأمر يراه ويؤدي إليه اجتهاده ، لأنه صلى الله عليه وسلم خصص أبا طلحة وأم سليم بشعر أحد الشقين ، كما تقدم . النوع التاسع : أن الحالق المذكور اختلف في تعيينه ، فقال البخاري في ( صحيحه ) : زعموا أنه معمر بن عبد الله ، وقال النووي : إنه الصحيح المشهور ، قال البخاري في ( التاريخ الكبير ) : قال علي بن عبد الله : حدثنا عبد الأعلى حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن عقبة ، مولى معمر ، عن معمر العدوي قال : ( كنت أرجِّل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قضى حجه ، وكان يوم النحر ، جلس يحلق رأسه ، فرفع رأسه فنظر في وجهي ، فقال : يا معمر ! أمكنك النبي صلى الله عليه وسلم من شحمة أذنه ، وفي يدك الموسى ، فقال : ذاك من الله تعالى علي وفضله . قال : نعم ؟ فحلقته ) ، وقيل : إن الذي حلق رأسه