العيني
35
عمدة القاري
قول عطاء ، وبه قال أبو ثور ، وأما إدخال العمرة مع الحج فمنه منه مالك ، وهو قول إسحاق وأبي ثور والشافعي في الجديد ، وأجازه الكوفيون ، وقالوا : يصير قارنا ، وذكر أنه قول عطاء ، ولكنه أساء فيما فعل . قلت : القياس عند أبي حنيفة أن لا يمنع من إدخال عمرة على حج ، لأن من أصله أن على القارن تعدد الطواف والسعي . قوله : ( فلم يحل حتى حل ) وفي رواية السرخسي : حتى أحل ، بزيادة ألف في أوله وفتح الحاء ، وهي لغة مشهورة ، يقال : حل وأحل . قوله : ( منهما ) أي : من العمرة والحجة . 601 ( ( بابُ منْ أشْعَرَ وقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ أحْرَمَ ) ) أي : هذا باب في بيان من أشعر هديه . وفي بيان من قلده والكلام في هذين الفصلين على أنواع . الأول : في تفسير الإشعار لغة ، وهو : من الشعور في الأصل وهو العلم بالشيء : من شعر يشعر ، من باب نصر ينصر ، إذا علم وأشعر من الإشعار بكسر الهمزة وهو الإعلام . النوع الثاني : في تفسيره شرعا ، وهو أن يضرب صفحة سنامها اليمنى بحديدة حتى تتلطخ بالدم ظاهرا ، ولا نظر إلى ما فيه من الإيلام لأنه لا منع إلاَّ ما منعه الشرع ، وذكر القزاز : أشعرها إشعارا وإشعارها أن يوجأ أصل سنامها بسكين ، سميت بما حل فيها ، وذلك لأن الذي فعل بها علامة تعرف بها . وفي ( المحكم ) : هو أن يشق جلدها أو يطعنها حتى يظهر الدم ، وزعم ابن قرقول أن إشعارها هو تعليمها بعلامة بشق جلد سنامها عرضا من الجانب الأيمن ، هذا عند الحجازيين وأما العراقيون فالإشعار عندهم تقليدها بقلادة ، وقيل الإشعار أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته ، فيكون ذلك علامة على كونها هديا . النوع الثالث : في كيفية الإشعار ، والاختلاف الذي فيها قال أبو يوسف ومحمد : كيفية الإشعار أن يطعنها في أسفل سنامها من الجانب الأيسر حتى يسيل الدم ، وعند الشافعي وأحمد في قول : الأيمن ، وقال السفاقسي : إذا كانت البدنة ذللاً أشعرها من الأيسر ، وإن كانت صعبة قرن بدنتين ، ثم قام بينهما وأشعر إحداهما من الأيمن والأخرى من الأيسر . وقال ابن قدامة : وعن أحمد من الجانب الأيسر ، لأن ابن عمر فعله ، وبه قال مالك ، وحكاه ابن حزم عن مجاهد ، يقول : كانوا يستحبون الإشعار في الجانب الأيسر . وفي ( شرح الموطأ ) للأشبيلي : وجائز الإشعار في الجانب الأيمن ، وفي الجانب الأيسر ، وكان ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، ربما فعل هذا وربما فعل هذا ، وأكثر أهل العلم يستحبون في الجانب الأيمن ، منهم الشافعي وإسحاق لحديث ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها اليمنى ، ثم سلت الدم عنها وقلدها بنعلين ، أخرجه مسلم ، وعند أبي داود : ثم سلت الدم بيده ، وفي لفظ : ثم سلت الدم بإصبعه . وقال ابن حبيب : يشعر طولاً ، وقال السفاقسي عرضا ، والعرض عرض السنام من العنق إلى الذنب ، وقال مجاهد : أشعر من حيث شئت ، ثم قال : والإشعار طولاً في شق البعير أخذا من جهة مقدم البعير إلى جهة عجزه ، فيكون مجرى الدم عريضا فيتبين الإشعار ، ولو كان مع عرض البعير كان مجرى الدم يسيرا خفيفا لا يقع به مقصود الإعلان بالهدي . النوع الرابع : في صفة الإشعار ، ذهب جمهور العلماء إلى أن الإشعار سنة ، وذكر ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) بأسانيد جيدة عن عائشة وابن عباس : إن شئت فأشعر وإن شئت فلا ، وقال ابن حزم في ( المحلى ) : قال أبو حنيفة : أكره الإشعار وهو مثلة ، وقال : هذه طامة من طوام العالم أن يكون مثلة شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أفٍ لكل عقل يتعقب حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويلزمه أن تكون الحجامة وفتح العرق مثله ، فيمنع من ذلك . وهذه قولة لا نعلم لأبي حنيفة فيها متقدم من السلف ، ولا موافق من فقهاء عصره إلاَّ من ابتلاه الله تعالى بتقليده . قلت : هذا سفاهة وقلة حياء ، لأن الطحاوي الذي هو أعلم الناس بمذاهب الفقهاء ، ولا سيما بمذهب أبي حنيفة ، ذكر أن أبا حنيفة لم يكره أصل الإشعار ، ولا كونه سنة ، وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف منه هلاكها لسراية الجرح ، لا سيما في حر الحجاز مع الطعن بالسنان ، أو الشفرة ، فأراد سد الباب على العامة ، لأنهم لا يراعون الحد في ذلك ، وأما من وقف على الحد فقطع الجلد دون اللحم فلا يكرهه ، وذكر الكرماني صاحب المناسك عنه استحسانه ، قال : وهو الأصح ، لا سيما إذا كان بمبضع ونحوه ، فيصير كالفصد والحجامة ، وأما قوله : وهذه قولة لا نعلم لأبي حنيفة فيها متقدم من السلف ، فقول فاسد ، لأن ابن بطال ذكر أن إبراهيم النخعي أيضا لا يرى بالإشعار ، ولما روى الترمذي من حديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قلد نعلين ، وأشعر الهدي في الشق الأيمن بذي الحليفة