العيني

32

عمدة القاري

من إحرامه إلى آخر شيء ففيه دلالة على أنه لم يكن متمتعا . قلت : هذا لا يرد على فقهاء الكوفة لأن عندهم المتمتع إذا أهدى لا يتحلل حتى يفرغ من حجه ، وهذا الحديث أيضا ينفي كونه مفردا لأن الهدي لا يمنع المفرد من الإحلال فهو حجة على البيهقي . وفي ( الاستذكار ) : لا يصح عندنا أن يكون متمتعا إلاَّ تمتع قران ، لأنه لا خلاف بين العلماء أنه صلى الله عليه وسلم لم يتحلل من عمرته ، وأقام محرما من أجل هديه ، وهذا حكم القارن لا المتمتع ، وفي ( شرح الموطأ ) لأبي الحسن الأشبيلي : ولا يصح عندي أن يكون ، صلى الله عليه وسلم ، متمتعا إلاَّ تمتع قران ، لأنه لا خلاف أنه لم يحل من عمرته حتى أمر أصحابه أن يحلوا ويفسخوا حجهم في عمرة ، وفسخ الحج في العمرة خص به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يجوز اليوم أن يفعل ذلك عند أكثر الصحابة وغيرهم لقوله تعالى : * ( وأتموا الحج ) * ( البقرة : 691 ) . يعني لمن دخل فيه ، وما أعلم من الصحابة من يجيز ذلك إلاَّ ابن عبَّاس ، وتابعه أحمد وداود دون سائر الفقهاء ، وقد مر الكلام فيه مستقصىً ، في : باب التمتع والقران . قوله : ( فساق معه الهدي من ذي الحليفة ) وهو الميقات . قوله : ( وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالحج ) ، قال ابن بطال : إنما يريد أنه بدأ حين أمرهم بالتمتع أن يهلوا بالعمرة أول ، ويقدموها قبل الحج ، وأن ينشؤا الحج بعدها إذا حلوا منها . قوله : ( وبالصفا والمروة ) ، ظاهر في وجوب السعي . قوله : ( فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم ) أي : بحضرته . قوله : ( وليقصر ) على صورة أمر الغائب ، وكذا في رواية مسلم وفي رواية أبي ذر : ( ويقصر ) ، على صورة المضارع ، وقال الكرماني ، بالرفع والجزم . قلت : وجه الرفع أن يكون المضارع على أصله لتجرده عن النواسخ ، والتقدير : وبعد الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة يقصر ، من التقصير ، وهو أخذ بعض شعر رأسه . ووجه الجزم أن يكون عطفا على المجزوم قبله ، ويكون في التقدير : وليقصر . وقال الكرماني : لِمَ خصص التقصيرَ والحلقُ جائز بل أفضل ؟ وأجاب : بأنه أمره بذلك ليبقى له شعر يحلقه في الحج ، فإن الحلق في تحلل الحج أفضل منه في تحلل العمرة . قوله : ( وليحلل ) ، صورته أمر ، ومعناه الخبر يعني صار : حلالاً ، فله فعل كل ما كان محظورا عليه في الإحرام . قوله : ( ثم ليهل بالحج ) أي : بعد تقصيره وتحلله يحرم بالحج ، وإنما أتى بلفظ : ثم ، الدال على التراخي ليدل على أنه لا يلزم أن يهل بالحج عقيب إحلاله من العمرة . قوله : ( فمن لم يجد هديا ) أي : لم يجده هناك ، إما لعدم الهدي ، وإما لعدم ثمنه ، وإما لكونه يباع بأكثر من ثمن المثل . قوله : ( فليصم ثلاثة أيام في الحج ) ، وهو اليوم السابع من ذي الحجة ، والثامن والتاسع . قوله : ( وسبعة ) أي : وليصم سبعة ( أيام إذا رجع إلى أهله ) بظاهره أخذ الشافعي ، لأن المراد حقيقة الرجوع ، وقال أصحابنا في قوله تعالى : * ( وسبعة إذا رجعتم ) * ( البقرة : 691 ) . معناه : إذا فرغتم من أفعال الحج ، والفراغ سبب الرجوع ، فأطلق المسبب على السبب ، فلو صام هذه السبعة بمكة فإنه يجوز عندنا . وقال الشافعي : لا يجوز إلاَّ أن ينوي الإقامة بها ، فإن لم يصم الثلاثة في الحج إلى يوم النحر تعين الدم ، فلا يجوز أن يصوم الثلاثة ولا السبعة بعدها . وقال الشافعي : يصوم الثلاثة بعد هذه الأيام : يعني أيام التشريق . وقال مالك : يصومها في هذه الأيام . قلنا : النهي المعروف عن صوم هذه الأيام ، ولا يؤدى بعدها أيضا لأن الهدي أصل وقد نقل حكمه إلى بدل موصوف بصفة ، وقد فاتت ، فعاد الحكم إلى الأصل وهو الهدي . وفي ( شرح الموطأ ) للأشبيلي : ووقت هذا الصوم من حين يحرم بالحج إلى آخر أيام التشريق ، والاختيار تقديمه في أول الإحرام ، رواه ابن الجلاب ، وإنما اختار تقديمه لتعجيل إبراء الذمة ، ولأنه وقت متفق على جواز الصوم فيه ، فإن فاته ذلك قبل يوم النحر صامه أيام منىً ، فإن لم يصم أيام منىً صام بعدها . قاله علي وابن عمر وعائشة وابن عباس ، رضي الله تعالى عنهم ، وبه قال الشافعي ، وروي عن عطاء بن أبي رباح أنه أجاز للمتمتع أن يصوم في العشر وهو حلال . وقال مجاهد وطاووس : إذا صامهن في أشهر الحج أجزأه ، وهذان القولان شاذان . وقال أبو بكر الجصاص في ( أحكام القرآن ) : اختلف السلف فيمن لم يجد الهدي ولم يصم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر ، فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم وطاووس ، رضي الله تعالى عنهم : لا يجزيه إلاَّ الهدي ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ، وقال ابن عمر وعائشة ، رضي الله تعالى عنهما ، يصوم أيام منىً ، وهو قول مالك . وقال علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه : يصوم بعد أيام التشريق ، وهو قول الشافعي . انتهى . فإن قلت : روى البخاري في كتاب الصوم من حديث الزهري عن عروة عن عائشة وعن سالم عن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهم . قالا : لم