العيني
23
عمدة القاري
من الإغارة أي : كيما ندفع ونفيض للنحر وغيره ، وذلك من قولهم : أغار الفرس إغارة الثعلب ، وذلك إذا دفع وأسرع في دفعه . وقال ابن التين : وضبطه بعضهم بسكون الراء في ثبير ونغير لإرادة السجع . قلت : لأنه من محسنات الكلام . قوله : ( ثم أفاض ) ، يحتمل أن يكون فاعله عمر ، رضي الله تعالى عنه ، ووجهه أن يكون : ثم أفاض عطفا على قوله : ( إن المشركين لا يفيضون حتى تطلع الشمس ) وفيه بعد ، والذي يقتضيه التركيب أن فاعله هو النبي صلى الله عليه وسلم لأنه عطف على قوله : ( خالفهم ) ويؤيد هذا ما وقع في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عند الترمذي : ( فأفاض ) ، بالفاء وفي رواية الثوري : ( فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم فأفاض ) ، وفي رواية الطبري من طريق زكريا عن أبي إسحاق بسنده : ( كان المشركون لا ينفرون حتى تطلع الشمس ، وأن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كره ذلك فنفر قبل طلوع الشمس ) ، وله من رواية إسرائيل : فدفع بقدر صلاة القوم المسفرين لصلاة الغداة ، وأظهر من ذلك وأقوى للدلالة على أنه النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ما رواه مسلم من حديث جابر الطويل ، وفيه : ( ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة ، فدعا الله وكبره وهلله ووحده ، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس ) . ذكر ما يستفاد منه فيه : الوقوف بمزدلفة ، وقد ذكرنا أنه إذا ترك الوقوف بها بعد الصبح من غير عذر فعليه دم ، وإن كان بعذر الزحام فتعجل السير إلى منى فلا شيء عليه . وفيه : الإفاضة قبل طلوع الشمس من يوم النحر ، واختلفوا في الوقت الأفضل للإفاضة ، فذهب الشافعي إلى أنه إنما يستحب بعد كمال الإسفار ، وهو مذهب الجمهور لحديث جابر الطويل . وفيه : ( فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس ) ، وذهب مالك إلى استحباب الإفاضة من المزدلفة قبل الأسفار ) ، والحديث حجة عليه ، وروى ابن خزيمة والطبري من طريق عكرمة ( عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما : كان أهل الجاهلية يقفون بالمزدلفة حتى إذا طلعت الشمس فكانت على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا فدفع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حين أسفر كل شيء قبل أن تطلع الشمس ) ، وروى البيهقي من حديث المسور بن مخرمة نحوه . 101 ( ( بابُ التَّلْبِيَةِ والتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يَرْمِي الجَمْرَةَ وَالارْتِدَافِ فِي السَّيْرِ ) ) أي : هذا باب في بيان التلبية والتكبير غداة يوم النحر حي يرمي جمرة العقبة ، وفي رواية الكشميهني : ( حتى يرمي جمرة العقبة ) . قوله : ( والارتداف ) ، بالجر عطف على المجرور فيما قبله أي : وفي بيان الإرتداف ، وهو الركوب خلف الراكب في السير من مزدلفة إلى منى ، وهذه الترجمة مشتملة على ثلاثة أجزاء : التلبية : وهي أن يقول : لبيك اللهم . . . إلى آخره ، والتكبير : وهو أن يكبر الله تعالى ، والارتداف : وهو الركوب خلف الراكب . وقال الكرماني : ليس في الحديث ذكر التكبير ، فكيف دلالته عليه ؟ ثم أجاب : بأن المراد به الذكر الذي في خلال التلبية ، وهو مختصر من الحديث الذي فيه ذكر التكبير ، أو غرضه أن يستدل بالحديث على أن التكبير غير مشروع ، إذ لفظ : ( لم يزل ) دليل على إدامة التلبية . انتهى . قلت : قوله : أو غرضه . . . إلى آخره ، فيه بعد وهو عبارة خشنة ، والجواب الصحيح فيه : أنه قد جرت عادة البخاري أنه إذا ذكر ترجمة ذات أجزاء وليس في حديث الباب ، ذكر هذه الأجزاء كلها ، ولكن كان حديث آخر ذكر فيه ذلك الجزء الذي لم يذكره أنه يشير إليه بذكره في الترجمة لينتهض الطالب ويبحث عنه ، وقد روى الطحاوي فقال : حدثنا فهد ، قال : حدثنا أحمد بن حميد الكوفي ، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك عن الحارث بن أبي ذئاب عن مجاهد ( عن عبد الله بن سخبرة ، قال : لبى عبد الله وهو يتوجه فقال أناس : من هذا الأعرابي ؟ فالتفت إلي عبد الله فقال : ضلَّ الناسُ أم نسوا ؟ والله ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة إلاَّ أن يخلط ذلك بتهليل أو تكبير ) . وأخرجه البيهقي من حديث صفوان بن عيسى : حدثنا الحارث بن عبد الرحمن عن مجاهد عن عبد الله بن سخبرة ، قال : غدوت مع عبد الله بن مسعود ، رضي الله تعالى عنه من منى إلى عرفة ، وكان رجلاً آدم له ضفيرتان ، عليه سحنة أهل البادية ، وكان يلبي فاجتمع عليه الغوغاء ، فقالوا : يا أعرابي ، إن هذا ليس بيوم تلبية إنما هو التكبير