العيني

321

عمدة القاري

يفيد القصر والحصر ، لأن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين يستفاد ذلك منهما . فإن قلت : ما محل هذه الجملة ؟ قلت : النصب لأنه مقول القول ، واللام في : لله ، صلة ، لأن الفصيح أن يقال : نصح له ، فإن قلت : لِمَ ترك اللام في عامتهم ؟ قلت : لأنهم كالاتباع للأئمة لا استقلال لهم ، وإعادة اللام تدل على الاستقلال . قوله ( وقوله تعالى ) بالجر ، عطف على قوله : ( قول النبي ) صلى الله عليه وسلم . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول ، أن الأعمال بالنيات ، وأنها لا تقبل إلا إذا كانت ابتغاء لوجه الله تعالى مع ترك الرياء ، والعلم على هذا الوجه من جملة النصيحة لله تعالى ، ومن جملة النصيحة لرسوله أيضاً ، حيث أتى بعمله على وفق ما أمر به الرسول عليه السلام ، مجتنباً عما نهاه عنه . ثم إن البخاري ، رحمه الله تعالى ، ختم كتاب الإيمان بهذا الحديث لأنه حديث عظيم جليل حفيل ، عليه مدار الإسلام ، كما قيل : إنه أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام ، فيكون هذا ربع الإسلام . ومنهم من قال : يمكن أن يستخرج منه الدليل على جميع الأحكام . الثالث : أنه ذكر هذا الحديث معلقاً ولم يخرجه مسنداً في هذا الكتاب ، لأن راوي الحديث تميم الداري ، وأشهر طرقه فيه : سهيل بن أبي صالح ، وليس من شرطه ، لأنه لم يخرج له في صحيحه ، وقد أخرج له مسلم والأربعة ، وروى عنه مالك ويحيى الأنصاري والثوري وابن عيينة وحماد بن سلمة وخلق كثير ، والأربعة . وقال البخاري : سمعت علياً يعني ابن المديني ، يقول : كان سهيل بن أبي صالح مات له أخ ، فوجد عليه فنسي كثيراً من الأحاديث . وقال يحيى بن معين : لا يحتج به ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ، وقال ابن عدي : وهو عندي ثبت لا بأس به مقبول الأخبار ، وقد روى عنه الأئمة ، وقال الحاكم : وقد روى مالك في شيوخه من أهل المدينة الناقد لهم ، ثم قال في أحاديثه بالعراق : إنه نسي الكثير منها وساء حفظه في آخر عمره ، وقد أكثر مسلم عنه في إخراجه في الشواهد مقروناً في أكثر رواته يحافظ لا يدافع ، فيسلم بذلك من نسبته إلى سوء الحفظ ، ولكن لما لم يكن عند البخاري من شرطه ، لم يأت فيه بصيغة الجزم ، ولا في معرض الإستدلال بل أدخله في التبويب فقال : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم كذا ، فلم يترك ذكره لأنه عنده من الواهي ، بل ليفهم أنه اطلع عليه أن فيه علة منعته من إسناده ، وله من ذلك في كتابة كثير يقف عليه من له تمييز ، والله أعلم . الرابع : أن هذا الحديث أخرجه مسلم : حدثنا محمد بن عباد المكي ثنا سفيان عن سهيل عن عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ( الدين النصيحة . قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) . وليس لتميم الداري في صحيح مسلم غيره ، أخرجه في باب الإيمان ، وأخرجه أبو داود أيضاً في الأدب عن أحمد بن يونس عن زهير عن سهيل به . وأخرجه النسائي في البيعة عن يعقوب بن إبراهيم عن عبد الرحمن عن سفيان الثوري به ، وعن محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة به . وأخرجه إمام الأئمة ، محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب ( السياسة ) تأليفه : حدثنا عبد الجبار بن العلاء المكي ، حدثنا ابن عيينة عن سهيل ، سمعت عطاء بن يزيد ، حدثنا تميم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة الدين النصيحة ! فقال رجل : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المؤمنين وعامتهم ) . الخامس : أن حديث النصيحة روي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة وهو وهم من سهيل أو ممن روى عنه . قال البخاري في ( تاريخه ) : لا يصح إلاَّ عن تميم ، ولهذا الاختلاف لم يخرجه في ( صحيحه ) ، وللحديث طرق دون هذه في القوة ، فمنها ما أخرجه أبو يعلى من حديث ابن عباس ، ومنها ما أخرجه البزار من حديث ابن عمر رضي الله عنهما . السادس : قوله ( الدين النصيحة ) ، فيه حذف تقديره : عماد الدين وقوامه النصيحة ، كما يقال : الحج عرفة ، أي : عماد الحج وقوامه وقوف عرفة . والتقدير : معظم أركان الدين النصيحة ، كما يقال : الحج عرفة ، أي : معظم أركان الحج وقوف عرفة . وأصل النصيحة مأخوذ من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه بالمنصح ، وهي الإبرة ، والمعنى : أنه يلم شعث أخيه بالنصح ، كما تلم المنصحة ، ومنه التوبة النصوح ، كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه . وقال المازري : النصيحة مشتقة من : نصحت العسل إذا صفيته من الشمع ، شبه تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط . وفي ( المحكم ) النصح : نقيض الغش ، نصح له ونصحه ينصح نصحاً أو نصوحاً ونصاحة . وفي ( الجامع ) : النصح : بذل المودة والاجتهاد في المشورة . وفي كتاب ابن طريف : نصح قلب الإنسان : خلص من الغش . وفي ( الصحاح ) : هو باللام أفصح . وفي ( الغريبين ) نصحته ، قال أبو زيد أي : صدقته . وقال الخطابي : النصيحة كلمة جامعة معناها : حيازة الحظ للمنصوح له ، ويقال : هو من وجيز الأسماء ، ومختصر