العيني
312
عمدة القاري
( ولكل امرئ ما نوى ) ، كان يفوت قصده التنبيه على ثلاث تراجم ، وإنما كان يفهم منه ترجمتان : الأولى : من قوله ( الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى ) والثانية : من قوله ( والحسبة ) فانظر إلى هذه النكات ، هل ترى شارحا ذكرها أو حام حولها ؟ وكل ذلك بالفيض الإل 1764 ; هي والعناية الرحمانية . الوجه الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو الأعمال التي يدخل بها العبد الجنة ، ولا يكون العمل عملاً إلاَّ بالنية والإخلاص ، فلذلك ذكر هذا الباب عقيب الباب المذكور . وأيضا فالبخاري أدخل الإيمان في جملة الأعمال ، فيشترط فيها النية ، وهو اعتقاد القلب بقوله ، عليه الصلاة والسلام : ( الأعمال بالنية ) . وقال ابن بطال : أراد البخاري الرد على المرجئة : أن الإيمان قول باللسان دون عقد القلب ، ألا يرى إلى تأكيده بقوله : ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ) إلى آخر الحديث . الوجه الثالث : إن الحسبة ، بكسر الحاء وسكون السين المهملة ، اسم من الاحتساب ، والجمع : الحسب . يقال : احتسبت بكذا أجرا عند الله ، أي : اعتددته أنوي به وجه الله تعالى . ومنه قوله ، عليه السلام : ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) . وفي حديث عمر ، رضي الله عنه : ( يا أيها الناس ! احتسبوا أعمالكم ، فإن من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته ) . وقال الجوهري : يقال : احتسبت بكذا أجرا عند الله ، والاسم : الحسبة ، بالكسر ، وهي الأجر . وكذا قال في ( العباب ) : الحسبة بالكسر : الأجر ، ويقال : إنه يحسن الحسبة في الأمر : إذا كان حسن التدبير له والحسبة ، أيضا : من الحساب . مثال : العقدة والركبة ، وقال ابن دريد : احتسبت عليه بكذا ، أي : أنكرته عليه . ومنه : محتسب البلد ، واحتسب فلان ابنا أو بنتا ، إذا مات وهو كبير ، فإن مات صغيرا قيل : افترطه . وقال ابن السكيت : احتسبت فلانا : اختبرت ما عنده ، والنساء يحتسبن ما عند الرجال لهن : أي يختبرن . وقال بعضهم : المراد بالحسبة طلب الثواب . قلت : لم يقل أحد من أهل اللغة : إن الحسبة طلب الثواب ، بل معناها ما ذكرناه من أصحاب اللغات ، وليس في اللفظ أيضا ما يشعر بمعنى الطلب ، وإنما الحسبة هو : الثواب ، على ما فسره الجوهري ، والثواب : هو الأجر على أنه لا يفسر به في كل موضع ، ألا ترى إلى حديث عمر ، رضي الله عنه : فإن فيه أجر حسبته ، ولو فسرت الحسبة بالأجر في كل المواضع يصير المعنى فيه : كتب له أجر عمله وأجر أجره ، وهذا لا معنى له ، وإنما المعنى : له أجر عمله وأجر احتساب عمله ، وهو إخلاصه فيه . أو المعنى : من اعتد عمله ناويا ، كتب له أجر عمله وأجر نيته . فَدَخَلَ فيهِ : الإيمانُ والوضُوء والصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والصَّوْم والأحْكامُ هذا من مقول البخاري لا من تتمة ما جاء ، والدليل عليه ما صرح به في رواية ابن عساكر ، فقال : قال أبو عبد الله فدخل فيه الإيمان إلخ ، والمراد بأبي عبد الله هو : البخاري نفسه . فإن قلت : ما الفاء في قوله : فدخل ؟ قلت : فاء جواب شرط محذوف ، تقديره : إذا كان الأعمال بالنية فدخل فيه الإيمان . . . الخ ، والضمير في : فيه ، يرجع إلى ما تقدم من قوله : باب ما جاء أن الأعمال بالنية . . . الخ ، والتذكير باعتبار المذكور . ثم اعلم أنه ذكر هنا سبعة أشياء : الأول : الإيمان ، فدخلوا في ذلك على ما ذهب إليه البخاري من أن الإيمان عمل ، وقد علم أن معنى الإيمان إما التصديق أو معرفة الله تعالى بأنه واحد لا شريك له ، وكل ما جاء من عنده حق ، فإن كان المراد الأول فلا دخل للنية فيه ، لأن الشارع قال : الأعمال بالنية ، والأعمال حركات البدن ، ولا دخل للقلب فيه . وإن كان المراد الثاني ، فدخول النية فيه محال ، لأن معرفة الله تعالى ، لو توقفت على النية ، مع أن النية قصد المنوي بالقلب ، لزم أن يكون عارفا بالله قبل معرفته ، وهو محال ، ولأن المعرفة ، وكذا الخوف والرجاء ، متميزة لله تعالى بصورتها ، وكذا التسبيح وسائر الأذكار والتلاوة لا يحتاج شيء منها إلى نية التقرب . الثاني : الوضوء ، فدخوله في ذلك على مذهبه ، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وعامة أصحاب الحديث ، وعن أبي حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي والحسن بن حيي : لا يدخل ، وقالوا : ليس الوضوء عبادة مستقلة ، وإنما هي وسيلة إلى الصلاة . وقال الخصم : ونوقضوا بالتيمم ، فإنه وسيلة ، وقد اشترط الحنفية النية فيه . قلت : هذا التعليل ينتقض بتطهير الثوب والبدن عن الخبث ، فإنه طهارة ، ولم يشترط فيها النية ، فإن قالوا : الوضوء تطهير حكمي ثبت شرعا غير معقول ، لأن لا يعقل في المحل نجاسة تزول بالغسل إذ الأعضاء طاهرة حقيقة وحكما ، إما حقيقة فظاهر ، وأما حكما فلأنه لو صلى إنسان وهو حامل محدث جازت الصلاة ، وإذا ثبت أنه تعبدي ، وحكم الشرع بالنجاسة في حق الصلاة فجعلها كالحقيقة ، كان مثل التيمم ، حيث جعل الشارع ما ليس بمطهر حقيقة مطهرا حكما ، فيشترط فيه النية كالتيمم ، تحقيقا لمعنى التعبد إذ