العيني

274

عمدة القاري

اى تابع روحاً عثمان بن الهيثم في الرواية عن عوف الأعرابي وعثمان ، هذا أيضا من شيوخ البخاري يروي عنه في مواضع بلا واسطة ، وفي بعض المواضع عن محمد غير منسوب عنه ، وهو محمد بن يحيى الذهلي ثم البخاري ، رضي الله عنه ، إن كان سمع هذا الحديث من عثمان هذا فهو له أعلى بدرجة . لأنه من روايته رباعي ، ومن رواية المنجوفي خماسي ، فإن قلت : فَلِمَ ذكر رواية عثمان ؟ قلت : لان رواية المنجوفي موصولة وهي أشد إتقانا من رواية عثمان . فان قلت : إذا كان الأمر كذلك ، فما الحاجة إلى ذكر متابعة عثمان ؟ قلت : لأجل التنبيه بروايته على أن الاعتماد في هذا السند على محمد بن سيرين لأن عوفاً ربما كان ذكره ، وربما كان حذفه مرة ، فأثبت الحسن . ومتابعة عثمان هذه وصلها أبو نعيم في ( المستخرج ) قال : حدثنا أبو إسحاق بن حمزة ، ثنا أبو طالب بن أبي عوانة ، ثنا سليمان بن سيف ، ثنا عثمان بن الهيثم فذكر الحديث ، ولفظه موافق لرواية روح بن عبادة إلاّ في قوله : وكان معها . قال بدلها : فلزمها . وفي قوله : ويفرغ من دفنها ، فإنه قال بدلها : ويدفن ، وقال في آخره : قيراط بدل قوله : فإنه يرجع بقيراط ، والباقي سواء . وقال الكرماني : فان قلت : إذا قال البخاري عن فلان نجزم بأنه سمعه منه عند امكان السماع ، فإذا قال : تابعه ، لم نجزم بأنه سمعه منه . قلت : قياس المتابعة على العنعنة يقتضي ذلك ، لكن صرحوا في العنعنة ولم يصرحوا فيها . قوله : ( نحوه ) أي : نحو ما تقدم ، وهو أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، قال : ( من اتبع جنازة ) إلى آخره ، ثم عثمان هذا هو أبو عمرو عثمان بن الهيثم بن جهم بن عيسى بن حسان بن المنذر البصري ، المؤذن بجامعها . روى عن عوف الأعرابي وابن جريج وغيرهما ، وروى عنه البخاري ، وروى هو والنسائي عن رجل عنه ، توفي لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة عشرين ومائتين . 36 ( ( بابُ خَوْفِ ألمُؤمِنِ مِنْ أنْ يَحْبَطَ عَملُهُ لاَ يَشْعُرُ ) ) الكلام فيه على أنواع : الأول : إن قوله : باب ، مرفوع مضاف إلى ما بعده ، تقديره : هذا باب في بيان خوف المؤمن من أن يحبط عمله ، وكلمة : ان ، مصدرية تقديره : من حبط عمله ، وليس في بعض النسخ كلمة : من ، وهي وإن لم تكن موجودة لكنها مقدرة ، إذ المعنى عليها . قوله : ( يحبط ) على صيغة المعلوم من : حبط عمله يحبط حبطاً وحبوطاً ، من باب : علم يعلم . وقال أبو زيد : حبط بالفتح وقرئ : * ( فقد حبط عمله ) * ( المائدة : 5 ) بفتح الباء ، وهو : البطلان . قال الكرماني : فان قلت : القول بإحباط المعاصي للطاعات من قواعد الاعتزال ، فما وجه قول البخاري هذاك ؟ قلت : هذا الإحباط ليس بذاك ، لأن المراد به الإحباط بالكفر ، أو بعدم الإخلاص ونحوه . وقال النووي : المراد بالحبط نقصان الإيمان ، وإبطال بعض العبادات لا الكفر ، فإن الانسان لا يكفر إلاَّ بما يعتقده ، أو يفعل عالما بأنه يوجب الكفر . قلت : فيه نظر ، لأن الجمهور على أن الإنسان يكفر بكلمة الكفر ، وبالفعل الموجب للكفر ، وإن لم يعلم أنه كفر . قوله : ( يحبط عمله ) المراد ، ثواب عمله ، فالمضاف فيه محذوف . قوله : ( وهو لا يشعر ) جملة اسمية وقعت حالاً ، من : شعر يشعر من باب : نصر ينصر ، وفي ( العباب ) شعرت بالشيء ، بالفتح ، أشعر به ، بالضم ، شعراً وشعرة وشعرى ، بالكسر فيهن ، وشعرة بالفتح ، وشعوراً ومشعوراً ومشعورة : علمت به ، وفطنت له ، ومنه قولهم : ليت شعري . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو أن حصول الثواب بالقيراطين أو بقيراط الذي هو مثل جبل أحد ، إنما يحصل إذا كان عمله احتسابا خالصا لله تعالى ، وفي هذا الباب ما يشير إلى أنه قد يعرض للعامل ما يحبط عمله ، فيحرم بسببه الثواب الموعود وهو لا يشعر ، وفي نفس الأمر ذكر هذا الباب إستطرادي ، لأجل التنبيه على ما ذكرنا ، وإلاَّ كان المناسب أن يذكر عقيب الباب السابق باب : أداء الخمس من الايمان ، لأن الأبواب المعقودة ههنا في بيان شعب الايمان . الثالث : ذكر النووي أن مراد البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة في قولهم : إن الله لا يعذب على شيء من المعاصي ، ممن قال : لا إله إلا الله ، ولا يحبط شيء من أعماله بشيء من الذنوب ، وإن إيمان المطيع والعاصي سواء ، فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين ، وما نقلوه عن الصحابة ، رضي الله عنهم ، وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم فيه ، وأنهم مع اجتهادهم المعروف خافوا أن لا ينجوا من عذاب الله تعالى ، وقال القاضي عياض : المرجئة أضداد الخوارج ، والمعتزلة . الخوارج تكفر بالذنوب ، والمعتزلة يفسقون بها ، وكلهم يوجب الخلود في النار ، والمرجئة تقول : لا تضر الذنوب مع الإيمان ، وغلاتهم تقول : يكفي التصديق بالقلب وحده