العيني

266

عمدة القاري

بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه أولاً حدثنا إسماعيل ، ثم حدثني مالك ، لأن في الأول الشيخ قرأ له ولغيره ، وفي الثاني : قرأ له وحده ، ومنها : أن فيه التحديث والسماع والعنعنة . ومنها : أن رجاله كلهم مدنيون . ومنها : أن إسناده مسلسل بالأقارب ، لأن إسماعيل يروي عن خاله عن عمه عن أبيه . فإن قلت : حكى الكلاباذي وغيره عن ابن سعد عن الواقدي أن مالك بن أبي عامر توفي سنة اثنتي عشرة ومائة ، وأنه بلغ من العمر : سبعين أو اثنتين وسبعين ، فعلى هذا يكون مولده بعد موت طلحة بسنتين . قلت : قال بعضهم : لعله صحف التسعين بالسبعين ، وحكى المنذري عن ابن عبد البر أن وفاته سنة مائة أو نحوها ، فيصح على هذا ، ويستقيم . وقد ثبت سماع مالك منه ومن غيره كعثمان ، رضي الله عنه ، نبه عليه الثوري وغيره . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الشهادات عن إسماعيل بن أبي أويس ، بالإسناد المذكور ، وأخرجه أيضا في الصوم ، وفي ترك الحيل عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل به ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن قتيبة عن مالك به ، وعن قتيبة ويحيى بن أيوب كلاهما عن إسماعيل بن جعفر به ، وقال مسلم في حديث يحيى بن أيوب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفلح وأبيه إن صدق ) . وأخرجه أبو داود في الصلاة عن القعنبي عن مالك به ، وعن أبي الربيع سليمان بن داود عن إسماعيل بن جعفر به ، وأخرجه النسائي في الصلاة عن قتيبة عن مالك به ، وفي الصوم عن علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر به ، وفي الإيمان عن محمد بن سلمة عن عبد الرحمن بن قاسم عن مالك به . بيان اللغات : قوله : ( من أهل نجد ) بفتح النون وسكون الجيم ، قال الجوهري : نجد من بلاد العرب ، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد ، وهو مذكر . قلت : النجد الناحية التي بين الحجاز والعراق ، ويقال : ما بين العراق وبين وجرة وغمرة الطائف نجد ، ويقال : هو ما بين جرش وسواد الكوفة ، وحده من الغرب الحجاز ، وفي ( العباب ) : نجد من بلاد العرب ، خلاف الغور ، والغور هو تهامة ، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد ، وهو في الأصل ما ارتفع من الأرض ، والجمع : نجاد ونجود وانجد . قوله : ( ثائر الرأس ) أي : منتفش شعر الرأس ومنتشره ، يقال : ثار الغبار أي : انتفش ، وفتنة ثائرة أي : منتشرة . قلت : مادته واوية من : ثار الغبار يثور ثورا ، وحاصله أن شعره متفرق منتشر من عدم الارتفاق والرفاهية . قوله : ( دوى صوته ) ، بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء ، كذا هو في عامة الروايات ، وقال القاضي عياض : جاء عندنا في البخاري ، بضم الدال . قال : والصواب الفتح ، قال الخطابي : الدوي : صوت مرتفع متكرر لا يفهم ، وإنما كان كذلك لأنه نادى من بعد ، ويقال الدوي : بعد الصوت في الهواء وعلوه ، ومعناه : صوت شديد لا يفهم منه شيء كدوي النحل . وقال الشيخ قطب الدين : هو شدة الصوت وبعده في الهواء ، مأخوذ من دوي الرعد ، ويقال : هو شدة صوت لا يفهم ، فلما دنا فهم كلامه ، فلهذا قال : فلما دنا فإذا هو يسأل . وقال الجوهري : دوي الريح حفيفها ، وكذلك دوي النحل والطائر ويقال : دوى النحل تدوية ، وذلك إذا سمعت لهديره دويا ، والدوي أيضا السحاب ذو الرعد المرتجس . قوله : ( ولا يفقه ) من الفقه وهو الفهم ، قال الله تعالى : * ( يفقهوا قولي ) * ( طه : 28 ) أي يفهموا . قوله : ( حتى دنا ) من الدنو وهو التقرب . قوله : ( إلا أن تطوع ) ، بتشديد الطاء والواو كليهما أصله : تتطوع بتائين فأدغمت إحدى التائين في الطاء ، ويجوز تخفيف الطاء على الحذف ، أعني : حذف إحدى التائين ، وأي التائين هي المحذوفة فيه خلاف ، فقال بعضهم : حذف التاء الزائدة أولى لزيادتها . وقال الأكثرون : الأصلية أولى بالحذف ، لأن الزائدة إنما دخلت لإظهار معنى فلا تحذف ، لئلا يزول الغرض الذي لأجله دخلت ، ويجوز إظهار التائين أيضا من غير إدغام ، وهذه ثلاثة أوجه في المضارع . وقال النووي : المشهور التشديد ، ومعناه : إلاَّ أن تفعله بطواعيتك . وفي ماضيه لغتان : تطوع وأطوع ، وكلاهما يفعل ، إلا أن إدغام التاء في الطاء أوجب جلب ألف الوصل ليتمكن من النطق بالساكن . قوله : ( فادبر ) من الإدبار وهو التولي . قوله : ( أفلح ) من الإفلاح وهو الفوز والبقاء ، وقيل : هو الظفر وإدراك البغية ، وقيل : إنه عبارة عن أربعة أشياء : بقاء بلا فناء وغناء بلا فقر ، وعز بلا ذل ، وعلم بلا جهل . قالوا : ولا كلمة في اللغة أجمع للخيرات منه ، والعرب تقول لكل من أصاب خيرا : مفلح ، وقال ابن دريد : أفلح الرجل وأنجح : أدرك مطلوبه . بيان الإعراب : قوله : ( من أهل نجد ) في مجل الرفع لأنه صفة لقوله : رجل . قوله : ( ثائر الرأس ) يجوز فيه الرفع والنصب ، أما الرفع فعلى أنه صفة لرجل ، وأما النصب فعلى أنه حال ، وههنا سؤالان أحدهما : ذكره الكرماني وأجاب عنه ، وهو أن شرط الحال أن تكون نكرة ، وهو مضاف فيكون معرفة فأجاب : بأن إضافته لفظية فلا تفيد إلاَّ تخفيفا . والآخر : ذكرته في