العيني
264
عمدة القاري
سائر الآيات التي في الكتاب مقروءة ، قوله : ( قد عرفنا ذلك اليوم ) معناه : أنا ما أهملناه ولا خفي علينا زمان نزولها ، ولا مكان نزولها ، وضبطنا جميع ما يتعلق بها حتى صفة النبي ، عليه السلام ، وموضعه في زمان النزول ، وهو كونه ، عليه السلام ، قائما حينئذ ، وهو غاية في الضبط . وقال النووي : معناه : أنا ما تركنا تعظيم ذلك اليوم والمكان ، أما المكان فهو عرفات ، وهو معظم الحج الذي هو أحد أركان الإسلام ، وأما الزمان فهو يوم الجمعة ويوم عرفة . وهو يوم اجتمع فيه فضلان وشرفان ، ومعلوم تعظيمنا لكل واحد منهما ، فإذا اجتمعا زاد التعظيم ، فقد اتخذنا ذلك اليوم عيدا ، وعظمنا مكانه أيضا ، وهذا كان في حجة الوداع ، وعاش النبي ، عليه السلام ، بعدها ثلاثة أشهر . قوله : ( والذي نزلت فيه على النبي عليه الصلاة والسلام ) زاد مسلم ، عن عبد بن حميد عن جعفر بن عون في هذا الحديث ، ولفظه : ( إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه ) . ولأحمد عن جعفر بن عون : ( والساعة التي نزلت فيها على النبي عليه السلام ) فإن قلت : كيف طابق الجواب السؤال ؟ لأنه قال لاتخذناه عيداً ؟ فقال عمر ، رضي الله عنه : عرفنا أحواله ، ولم يقل جعلناه عيداً . قلت : لما بين أن يوم النزول كان عرفة ومن المشهورت أن اليوم الذي بعد عرفة عيد للمسلمين ، فكأنه قال : جعلناه عيدا بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتعبد فيه . فإن قلت : فلم ما جعلوا يوم النزول عيدا ؟ قلت : لأنه ثبت في الصحيح أن النزول كان بعد العصر ، ولا يتحقق العيد إلاَّ من أول النهار ، ولهذا قال الفقهاء : ورؤية الهلال بالنهار لليلة المستقبلة ، فافهم . 34 ( ( باب الزَّكاةُ مِنَ الإسْلاَمِ ) ) أي : هذا باب ، والباب منون ، ويجوز بالإضافة إلى الجملة ، والزكاة مرفوع بالابتداء ، وخبره : من الاسلام أي : الزكاة شعبة من شعب الإسلام . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق هو زيادة الإيمان ونقصانه ، وقد علم أن الزيادة تكون بالأعمال والنقص بتركها ، وهذا الباب فيه : أن أداء الزكاة من الإسلام ، يعني : أنه إذا أدى الزكاة يكون إسلامه كاملاً ، وإذا تركها يكون ناقصا . لا يقال : لم أفرد الزكاة بالذكر في الترجمة من بين سائر أركان الإسلام ، لأنه قد أفرد لكل واحد من بقية الإركان بابا بترجمة . وقَوْلُه * ( ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاَةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القيمةِ ) * ( البينة : 5 ) . هكذا هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية الباقين : باب الزكاة من الإسلام ، وقول الله تعالى : * ( وما أمروا إلاَّ ليعبدوا الله ) * ( البينة : 5 ) الآية وفي بعض النسخ : وقوله تعالى : * ( وما أمروا ) * ( البينة : 5 ) الآية . . . قوله : ( وقول الله ) مجرور عطف على محل ، قوله : ( الزكاة من الإسلام ) لأنها مضاف إليها ، وكذلك قوله : وقوله تعالى . وأما راوية أبي ذر ، فإنها بلا عطف ، لأن الواو في قوله : * ( وما أمروا ) * ( البينة : 5 ) واو العطف في القرآن عطف بها على ما قبله : * ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلاَّ من بعد ما جاءتهم البينة ) * ( البينة : 4 ) فإن قلت : كيف التئام الآية بالترجمة ؟ قلت : الالتئام بينهما معنوي ، وهو أن الآية فيها ذكر أن الزكاة من الدين ، والدين هو الإسلام لقوله تعالى : * ( إن الدين عند الله الإسلام ) * ( آل عمران : 19 ) وتحقيق ذلك أن الله تعالى ذكر في هذه الآية الكريمة ثلاثة أشياء : الأول : إخلاص الدين الذي هو رأس جميع العبادات ، والثاني : إقامة الصلاة التي هي عماد الدين ، والثالث إيتاء الزكاة التي تذكر دائما تالية للصلاة ، ثم أشار إلى جميع ذلك بقوله : * ( وذلك دين القيمة ) * ( البينة : 5 ) أي : المذكور من هذه الأشياء هو دين القيمة ، أي : دين الملة القيمة ، فالموصوف محذوف وقرئ وذلك الدين القيمة . على تأويل الدين بالملة ومعنى : القيمة ، المستقيمة الناطقة بالحق والعدل . فإن قلت : كيف خص الزكاة بالترجمة ، والمذكور ثلاثة أشياء ؟ قلت : أجيب عن هذا عن قريب . قوله : * ( وما أمروا ) * ( البينة : 5 ) أي : وما أمر أهل الكتاب في التوراة والإنجيل إلاَّ بالدين الحنيفي ، ولكنهم حرفوا وبدلوا . وقال الزمحشري : فإن قلت : ) ما وجه قوله * ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ) * ( البينة : 5 ) قلت : معناه : وما أمروا في الكتابين إلاَّ لأجل أن يعبدوا الله على هذه الصفة . وقرأ ابن مسعود ، رضي الله عنه : إلاَّ أن يعبدوا . بمعنى : بأن يعبدوا الله انتهى . قلت : العبادة بمعنى التوحيد ، أي : وما أمروا إلاَّ ليوحدوا الله ، والاستثناء من أعم عام المفعول لأجله ، أي ما أمروا لأجل شيء إلاَّ للعبادة ، أي : التوحيد ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص