العيني

247

عمدة القاري

أنفسهم بالطعام ، ثم نسخ ، وكذلك العمل في السبت : كان مباحاً قبل شريعة موسى ، عليه السلام ، ثم نسخ بعدها بشريعته ، ودعواهم : النص في التوراة ، على ما زعموا ، باطلة لأنه ثبت قطعاً عندنا بأخبار الله تعالى أنهم حرفوا التوراة ، فلم يبق نقلهم حجة ، ولهذا قلنا : لم يجز الإيمان بالتوراة التي في أيديهم ، حتى بالغ بعض الشافعية وجوزوا الاستنجاء بذلك ، بل إنما يجب الإيمان بالتوراة التي أنزلت على موسى ، مع أن شرط التواتر لم يوجد في نقل التوراة إذا لم يبق من اليهود عدد التواتر في زمن بختنصر ، لأن أهل التواريخ اتفقوا على أنه : لما استولى بخت نصر على بني إسرائيل قتل رجالهم ، وسبى ذراريهم ، وأحرق أسفار التوراة حتى لم يبق فيهم من يحفظ التوراة . وزعموا أن الله الهم عزيراً ، عليه السلام ، حتى قرأه من صدره ، ولم يكن أحد قرأه حفظاً لا قبله ولا بعده ، ولهذا قالوا بأنه ابن الله وعبدوه ، ثم دفع عزير عند موته إلى تلميذ له ليقرأه على بني إسرائيل ، فأخذوا عن ذلك الواحد ، وبه لا يثبت التواتر . وزعم بعضهم أنه زاد فيها شيئاً وحذف شيئاً ، فكيف يوثق بما هذا سبيله ؟ فثبت أن ما ادعوا من تأييد شريعة موسى ، عليه السلام ، افتراء عليه ، ويقال : إن ما نقلوا عن موسى ، عليه السلام ، من قوله : تمسكوا بالسبت . الخ مختلق مفترى ، ويقال : إن هذا مما اختلقه ابن الراوندي عليه مما يستحق . الثاني : فيه الدليل على نسخ السنة بالقران ، وهو جائز عند الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة ، وللشافعي فيه قولان : قال في إحدى قوليه : لا يجوز ، كما لا يجوز عنده نسخ القرآن بالسنة ، قولاً واحداً . وقال عياض : أجازه الأكثر عقلاً وسمعاً ، ومنعه بعضهم عقلاً ، وأجازه بعضهم عقلاً ، ومنعه سمعاً . قال الإمام فخر الدين الرازي : قطع الشافعي وأكثر أصحابنا وأهل الظاهر وأحمد في إحدى روايتيه بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة ، وأجازه الجمهور ومالك وأبو حنيفة ، رضي الله عنهم ، وأستدل المجوزون على المسألة الأولى بأن التوجه نحو بيت المقدس لم يكن ثابتاً بالكتاب ، وقد نسخ بقوله تعالى : * ( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) * ( البقرة : 144 و 150 ) وأجيب : من جهة الشافعي : بإنما هي نسخ قرآن بقرآن ، وأن الأمر كان أولاً بتخبير المصلي أن يولي وجهه حيث شاء بقوله تعالى : * ( أينما تولوا فثم وجه الله ) * ( البقرة : 115 ) ، ثم نسخ باستقبال القبلة ، وأجاب بعضهم بأن قوله تعالى : * ( أقيموا الصلاة ) * ( البقرة : 43 ، 83 ، 110 ) مجمل ، فسر بأمور : منها . التوجه إلى بيت المقدس فيكون كالمأمور به لفظا في الكتاب ، فيكون التوجه إلى بيت المقدس بالقران بهذه الطريقة ، وباحتمال أن المنسوخ كان قرآناً نسخ لفظه . وقال بعضهم : النسخ كان بالسنة ، ونزل القرآن على وفقها ، ورد الأول ، والثاني : بأنا لو جوزنا ذلك لافضى إلى أن لا يعلم ناسخ من منسوخ بعينه أصلاً ، فإنهما يطردان في كل ناسخ ومنسوخ ، والثالث : مجرد دعوى فلا تقبل ، قالوا : قال الله تعالى : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * ( النحل : 44 ) وصفه بكونه مبنياً ، فلو جاز نسخ السنة بالقرآن لم يكن النبي مبيناً ، واللازم باطل ، فالملزوم مثله . أما الملازمة فلأنه إذا أثبت حكماً ثم نسخه الله تعالى بقوله لم يتحقق التبيين منه ، لأن المنسوخ مرفوع لا مبين ، لأن النسخ رفع لا بيان ، وأما بطلان اللازم فلقوله : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * ( النحل : 44 ) حيث وصفه بكونه مبيناً . قلنا : لا نسلم الملازمة ، لأن المراد بالتبيين البيان ، ولا نسلم أن النسخ ليس ببيان ، فإنه بيان لانتهاء أمر الحكم الأول ، ولئن سلمنا أن النسخ ليس ببيان ، وأن المراد منه بيان العام والمجمل والمنسوخ وغيرهما ، لكن نسلم أن الآية تدل على امتناع كون القرآن ناسخا للسنة . وقالوا : لو جاز ذلك لزم تنفير الناس عن النبي ، صلى الله تعالى عليه وسلم ، وعن طاعته ، لأنه يوهم أن الله تعالى لم يرض بما سنه الرسول ، عليه السلام ، واللازم باطل لأنه مناقض للبعثة ، فالملزوم كذلك . قلنا : الملازمة ممنوعة لأنه إذا علم أنه مبلغ ، فلا تنفير ولا تنفر ، لأن الكل من عند الله تعالى . الثالث : فيه جواز النسخ بخبر الواحد . قال القاضي : وإليه مال القاضي أبو بكر وغيره من المحققين ، ووجهه أن العمل بخبر الواحد مقطوع به ، كما أن العمل بالقران والسنة المتواترة مقطوع به ، وأن الدليل الموجب لثبوته أولاً غير الدليل الموجب لنفيه وثبوت غيره . قلت : اختاره الإمام الغزالي والباجي من المالكية ، وهو قول أهل الظاهر . الرابع : قال المازري وغيره : اختلفوا في النسخ إذا ورد متى يتحقق حكمه على المكلف ، ويحتج بهذا الحديث لاحد القولين ، وهو أنه لا يثبت حكمه حتى يبلغ المكلف ، لأنه ذكر أنهم تحولوا إلى القبلة وهم في الصلاة ، ولم يعيدوا ما مضى ، فهذا يدل على أن الحكم إنما يثبت بعد البلاغ . وقال غيره : فائدة الخلاف في هذه المسألة في أن ما فعل من العبادات بعد النسخ ، وقبل البلاغ هل يعاد أم لا ؟ ولا خلاف أنه لا يلزم حكمه قبل تبليغ جبريل ، عليه السلام . وقال الطحاوي : وفيه دليل على أن من لم يعلم بفرض الله ، ولم تبلغه الدعوة ، ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره ، فالفرض غير