العيني

239

عمدة القاري

والجمل التي بعدها معطوفات عليها ، و : الباء ، في : بالغدوة ، للاستعانة ، والمعنى : استعينوا على الأعمال بهذه الأوقات المنشطة للعمل . قوله : ( وشئ من الدلجة ) : أي : استعينوا بشيء ، أي ببعض من الدلجة ، وإنما قال : وشئ من الدلجة ، ولم يقل : والدلجة ، لمعنيين : أحدهما : التنبيه على الخفة ، لأن الدلجة تكون بالليل ، وعمل الليل أشق من عمل النهار ، والآخر : أن الدلجة هو سير الليل كله عند البعض ، واستغراق الليل كله صعب ، فأشار بقوله : وشئ إلى جزء يسير منه . بيان المعاني والبيان : قوله : ( إن الدين يسر ) فيه : التأكيد بأن ، ردا على منكر : يسر هذا الدين ، على تقدير كون المخاطب منكرا ، وإلاَّ فعلى تقدير تنزيله منزلة المنكر ، وإلاَّ فعلى تقدير المنكرين غير المخاطب ، وإلاَّ فلكون القضية مما يهتم بها . قوله : ( ولن يشاد الدين ) فيه : حذف الفاعل للعلم به . قوله : ( فسددوا ) فيه : حذف ، أي : في الأمور ، وكذلك في قوله : ( وقاربوا ) ، أي في العبادة ، وكذلك في قوله : ( وأبشروا ) أي : بالثواب على العمل ، وأبهم المبشر به للتنبيه على التعظيم والتفخيم ، وفيه : استعارة الغدوة والروحة وشئ من الدلجة لأوقات النشاط ، وفراغ القلب للطاعة ، وكأنه ، عليه السلام ، خاطب مسافرا يقطع طريقه إلى مقصده فنبهه على أوقات نشاطه التي ترك فيها عمله ، لأن هذه الأوقات أفضل أوقات المسافر ، والمسافر إذا سار الليل والنهار جميعا عجز وانقطع ، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة . وقال الخطابي : معناه : الأمر بالاقتصاد في العبادة ، أي : لا تستوعبوا الأيام ولا الليالي كلها بها ، بل أخلطوا طرف الليل بطرف النهار ، وأجمعوا أنفسكم فيما بينهما لئلا ينقطع بكم . ومن فوائده : الحض على الرفق في العمل لقوله ، عليه الصلاة والسلام : ( اكلفوا من العمل ما تطيقون ) وقال الخطابي : هذا أمر بالاقتصاد وترك الحمل على النفس ، لأن الله تعالى إنما أوجب عليهم وظائف من الطاعات في وقت دون وقت تيسيراً ورحمة . ومنها : التنبيه على أوقات النشاط . لأن الغدو والرواح والإدلاج أفضل أوقات المسافر وأوقات نشاطه ، بل على الحقيقة : الدنيا دار نقلة وطريق إلى الآخرة ، فنبه أمته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراغهم . 30 ( ( بابٌ الصَّلاةُ مِنَ الإيمانِ ) ) الكلام فيه على وجوه . الأول : إن قوله : باب ، خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا باب ، ويجوز فيه التنوين وتركه بإضافته إلى الجملة لان قوله : ( الصلاة ) مرفوع بالابتداء ، وخبره قوله : ( من الإيمان ) . اي : الصلاة شعبة من شعب الايمان . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث أن من جملة المذكور في حديث الباب الأول الاستعانة بالأوقات الثلاثة في إقامة الطاعات ، وأفضل الطاعات البدنية التي تقام في هذه الأوقات الصلوات الخمس والأوقات الثلاثة هي : الغدوة والروحة وشئ من الدلجة ، فوقت صلاة الصبح في الغدوة ، ووقت صلاة الظهر والعصر في الروحة ، ووقت العشاء في جزء الدلجة ، على قول من يقول من أهل اللغة : ان الدلجة سير الليل كله ، ولما كان العبد مأموراً بالاستعانة بهذه الأوقات ، وكانت هي أوقات الصلوات الخمس أيضاً ، وهي من الايمان ، ناسب ذكرها عقيب هذه الأوقات التي يتضمنها الباب الذي قبل هذا الباب ، على أن هذا الباب إنما ذكر بينه وبين هذا الباب استطراداً للوجه الذي ذكرناه هناك ، وفي الحقيقة يطلب وجه المناسبة بين هذا الباب وباب صوم رمضان احتساباً من الإيمان وهو ظاهر ، لأن كلا من الصلاة والصوم من أركان الدين العظيمة ، ومن العبادات البدنية . الثالث : كون الصلاة من الإيمان ظاهر ، ولا سيما على قول من يقول : الاعمال من الإيمان . وحديث ابن عمر ، رضي الله عنهما : ( بني الاسلام على خمس ) الحديث . وَقَوْلُ الله تعالى * ( وما كان اللَّهُ لِيُضيِعَ إيمانَكُمْ ) * يَعْني صَلاَتكُمْ عندَ البَيْتِ لفظة : قول ، يجوز فيه الوجهان من الإعراب ، الجر ، عطفاً على المضاف إليه اعني قوله : ( الصلاة من الايمان ) فإنها جملة إضيف إليها الباب على تقدير ترك التنوين فيه كما ذكرنا ، والرفع عطفا على لفظة : الصلاة . ثم الكلام فيه على وجوه . الأول : هذه الآية من جملة الترجمة . لأن الباب مترجم بترجمتين : إحداهما قوله : الصلاة من الإيمان . والأخرى : قوله ،