العيني
236
عمدة القاري
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، وهي أنه أخذ جزء منه وبوب عليه ، وأما المناسبة بينه وبين الحديث المعلق فهي أن المذكور فيه المحبة ، فهي إما مجاز عن الاستحسان ، يعني : أحسن الأديان هو الملة الحنيفية ، والحديث المسند دل على الحسن ، لأن فيه أوامر ، والمأمور به سواء كان واجبا أو مندوبا حسن ، وإما حقيقة عن إرادة إيصال الثواب إليه ، وذلك في المأمور به واجبا أو مندوبا ، إذ لا ثواب في غيره . بيان رجاله : وهم خمسة الأول : عبد السلام بن مطهر ، بصيغة المفعول من التطهير بالطاء المهملة بن حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان ، الأزدي البصري ، وكنيته : أبو ظفر ، بفتح الظاء المعجمة والفاء ، روى عن جمع من الأعلام منهم شعبة ، وروى عنه الأعلام منهم البخاري وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم ، وسئل عنه فقال : هو صدوق ، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين . الثاني : عمر بن علي بن عطاء بن مقدم ، بفتح الدال المشددة ، أبو حفص المقدمي البصري ، والد عاصم ومحمد ، وهو أخو أبي بكر ، سمع جمعا من التابعين منهم هشام بن عروة ، وعنه خلق من الأعلام منهم ابنه عاصم وعمرو بن علي ، وكان مدلسا ، قال ابن سعد : كان ثقة وكان يدلس تدليسا شديدا ، يقول : سمعت وحدثنا ، ثم يسكت ، ثم يقول : هشام بن عروة الأعمش . وقال عفان : كان رجلاً صالحا ، ولم يكونوا ينقمون عليه غير التدليس ، ولم أكن أقبل منه حتى يقول : حدثنا ، وقال البخاري : قال ابنه عاصم : مات سنة تسعين ومائة ، روى له الجماعة . الثالث : معن ، بفتح الميم وسكون العين المهملة ، ابن محمد بن معن بن نضلة الغفاري الحجازي ، سمع حميدا ، وعنه جمع منهم ابن جريج ، ذكره ابن حبان في ثقاته ، روى له الجماعة والترمذي والنسائي وابن ماجة . الرابع : سعيد بن أبي سعيد واسم أبي سعيد : كيسان ، المقبري المدني ، أبو سعد ، بسكون العين ، روى عن جماعة من الصحابة ، قال أبو زرعة : ثقة ، وقال أحمد : لا بأس به ، وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث ولكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته ، وقدم الشام مرابطا ، وحدث ببيروت . وقال غيره : اختلط قبل موته بأربع سنين ، توفي سنة خمس وعشرين ومائة ، روى له الجماعة . الخامس : أبو هريرة ، رضي الله عنه . بيان الأنساب : الأزدي : نسبة إلى الأزد بن الغوث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، يقال له : الأزد بالزاي ، و : الأسد ، بالسين . والمقدمي : بضم الميم وفتح الدال : نسبة إلى مقدم أحد الأجداد ، والغفاري ، بكسر الغين المعجمة نسبة إلى غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة . والمقبري ، بفتح الميم وسكون القاف وضم الباء الموحدة ، وقيل بفتحها ، نسبة إلى : مقبرة بالمدينة كان مجاورا لها ، وقيل : كان منزله عند المقابر ، وهو بمعنى الأول ، وقيل : جعله عمر على حفر القبور ، فلذلك قيل له : المقبري ، حكاه الحربي وغيره ، ويحتمل أنه اجتمع فيه ذلك كله : فكان على حفرها ، ونازلاً عندها ، والمقبري صفة لأبي سعيد والد سعيد المذكور ، وكان مكاتبا لامرأة من بني ليث بن بكر . بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث والعنعنة ؛ ومنها : أن رواته ما بين مدني وبصري . ومنها : أن فيه رواية مدلس شديد بعن ، ولكنه محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى ، وكل ما كان في الصحيحين عن المدلسين بعن ، فمحمول على سماعهم من جهة أخرى . بيان نوع الحديث : هو أمن أفراد البخاري عن مسلم . فإن قلت : قد قيل : فيه علتان إحداهما : أنه رواية مدلس بالعنعنة . والأخرى : أنه رواية معن عن سعيد ، وسعيد كان قد اختلط قلت : الجواب عن الأول ما ذكرته الآن ، مع أنه صرح بالسماع من طريق أخرى ، فقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق أحمد بن المقدام ، أحد شيوخ البخاري ، عن عمرو بن علي المذكور ، قال : سمعت معن بن محمد فذكره ، وهو من أفراد معن بن محمد وهو مدني ثقة قليل الحديث ، لكن تابعه على شقه الثاني ابن أبي ذئب عن سعيد ، أخرجه البخاري في كتاب الرقاق بمعناه ، ولفظه : ( سددوا وقاربوا ) . وزاد في آخره : ( القصد القصد تبلغوا ) ولم يذكر شقه الأول ، وله شواهد منها حديث عروة الفقيمي ، بضم الفاء وفتح القاف ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن دين الله يسر ) رواه أحمد بإسناد حسن ، ومنها : حديث بريدة ، أخرجه أحمد أيضا بإسناد حسن . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عليكم هديا قاصدا فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه ) . والجواب عن الثاني : أن سماع معن عن سعيد كان قبل اختلاطه ، ولو لم يصح ذلك عند البخاري لما أودعه في كتابه الذي سماه ( صحيحا ) . فافهم .