العيني

233

عمدة القاري

مسلم في صحيحه عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه غير حديث : ( أفضل الصيام بعد رمضان ) الحديث . . . فقط ، وما عداه فهو من رواية ابن عوف ، قال : وقد غلطوا الكلاباذي في دعواه : إخراج البخاري له ووهموه ، قال : ومما يدل على ذلك أنه لم يذكره أبو مسعود الدمشقي من رواية البخاري ولما ذكر النووي في شرحه لمسلم حديثه عن أبي هريرة قال : اعلم أن أبا هريرة يروي عنه اثنان كل منهما حميد بن عبد الرحمن : أحدهما هذا الحميري ، والثاني الزهري . قال الحميدي في جمعه : كل ما في البخاري ومسلم حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة فهو الزهري إلاَّ في هذا الحديث خاصة ، فإن راويه عن أبي هريرة الحميري ، وهذا الحديث لم يذكره البخاري في صحيحه . قال : ولا ذكر الحميري في البخاري أصلاً ، ولا في مسلم إلاَّ هذا الحديث قلت : دعواه أن البخاري لم يذكره في صحيحه قد علمت ما فيه ، وقوله : ولا في مسلم إلاَّ هذا الحديث ، ليس بجيد ، فقد ذكره مسلم في ثلاثة أحاديث . أحدها : أول الكتاب حديث ابن عمر في القدر عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري قالا : لقينا ابن عمر وذكر الحديث . الثاني : في الوصايا عن عمرو بن سعيد عن حميد الحميري عن ثلاثة من ولد سعد أن سعدا ، فذكره . الثالث : فيها عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة وعن رجل آخر هو في نفسي أفضل من عبد الرحمن بن أبي بكرة ، ثم ساقه من حديث قرة قال : وسمى الرجل : حميد بن عبد الرحمن عن أبي بكرة : ( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال ؛ أي يوم هذا ؟ ) الحديث . فائدة : روى مالك عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أن عمر وعثمان ، رضي الله عنهما ، كانا يصليان المغرب في رمضان ، ثم يفطران . ورواه يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن حميد قال : رأيت عمر وعثمان فذكره قال الواقدي : حميد لم يسمع من عمر ، رضي الله عنه ، ولا رآه ، وسنه وموته يدلان على ذلك ، ولعله سمع من عثمان ، رضي الله عنه ، لأنه كان خاله لأمه ، لأن أم مكتوم أخت عثمان ، وكان يدخل على عثمان كما يدخل ولده . الخامس : أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر ، رضي الله عنه . بيان لطائف إسناده منها : أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة . ومنها : أن رواته كلهم مدنيون . ومنها : أنهم أئمة أجلاء . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الصيام . وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والموطأ وآخرون . بيان الإعراب والمعاني : قوله : ( من ) ، مبتدأ وخبره قوله : ( غفر له ) ، وهما الشرط والجزاء ، ومعنى من قام رمضان : من قام بالطاعة في ليالي رمضان ، ويقال : يريد صلاة التراويح ، وقال بعضهم : لا يختص ذلك بصلاة التراويح بل في أي وقت صلى تطوعا حصل له ذلك الفضل ، واتفق العلماء على استحباب التراويح ، واختلفوا في الأفضل . فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وابن عبد الحكم من أصحاب مالك : أن حضورهما في الجماعة في المساجد أفضل ، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ، رضي الله عنهم ، واستمر المسلمون عليه . وقال مالك وأبو يوسف والطحاوي وبعض الشافعية وغيرهم : الإفراد بها في البيوت أفضل ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة ) . قوله : ( إيمانا واحتسابا ) منصوبان على الحالية على تأويل مؤمنا ومحتسبا ، وقد مر الكلام فيه في باب : قيام ليلة القدر من الإيمان ، أي : مصدقا ومريدا به وجه الله تعالى بخلوص النية . استباط الأحكام : الأول : فيه حجة لمن جوز قول رمضان بغير إضافة شهر إليه ، وهو الصواب ، وسيجئ الكلام في بابه . الثاني : فيه الدلالة على غفران ما تقدم من الذنوب بقيام رمضان : ودل الحديث الماضي على غفرانها بقيام ليلة القدر ، ولا تعارض بينهما ، فإن كل واحد منهما صالح للتكفير ، وقد يقتصر الشخص على قيام ليلة القدر بتوفيق الله له فيحصل ذلك . الثالث : ظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر ، وفضل الله واسع ، ولكن المشهور من مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه كحديث غفران الخطايا بالوضوء ، وبصوم يوم عرفة ، ويوم عاشوراء ونحوه أن المراد غفران