العيني

227

عمدة القاري

اللغوي ، وهو التصديق كما فسرناه الآن ، والترجمة غير مترتبة عليه ، وإنما هي مترتبة على مباشرة عمل هو سبب لغفران ما تقدم من ذنبه ، وهو قيام ليلة القدر ههنا ، ومباشرة مثل هذا العمل شعبة من شعب الإيمان فافهم . ثم إن الكرماني جوز انتصابهما على التمييز ، وعلى العلة أيضا بعد أن قال : التمييز والمفعول له لا يدلان على أنه من الإيمان بتأويل أن : من ، للابتداء ، فمعناه : أن القيام منشؤه الإيمان ، فيكون للإيمان أو من جهة الإيمان . قلت : وقوع كل منهما بعيد ، أما التمييز فإنه يرفع الإبهام المستقر عن ذات مذكورة أو مقدرة ، وكل منهما ههنا منتف ، أما الأول : فلأنه يكون عن ذات مفردة مذكورة ، وذلك المفرد يكون مقدرا غالبا . وأما الثاني : فإنه لا إبهام في لفظة : يقم ، ولا في إسناده إلى فاعله . وأما النصب على العلة فإنه ما فعل لأجله فعل مذكور ، وههنا القيام ليس لأجل علة الإيمان ، وإنما الإيمان سبب للقيام . ثم قال الكرماني : فإن قلت : شرط التمييز أن يقع موقع الفاعل نحو : طاب زيد نفسا قلت : اطراد هذا الشرط ممنوع ، ولئن سلمنا فهو أعم من أن يكون فاعلاً بالفعل ، أو بالقوة ، كما يؤول : طار عمرو فرحا ، بأن المراد طيَّره الفرح . فهو في المعنى إقامة الإيمان . قلت : هذا التمثيل ليس بصحيح ، لأن نسبة الطيران إلى عمرو فيه إبهام ، وفسره بقوله : فرحا ، وتأويله : طيره الفرح كما في قولك طاب زيد نفسا تقديره : طاب نفس زيد ، وليس كذلك . قوله : ( من يقم ليلة القدر ) لأنه إبهام في نسبة القيام إليه ولا في نفس القيام ، وتأويله بقوله : إقامة الإيمان ، ليس بصحيح ، لأن الإيمان ليس بفاعل لا بالفعل ولا بالقوة . قوله : ( غفر له ) ، جواب الشرط ، وهذا كما ترى وقع ماضيا ، وفعل الشرط مضارعا ، والنحاة يستضعفون مثل ذلك . ومنهم من منعه إلا في ضرورة شعر ، وأجازوا ضده ، وهو أن يكون فعل الشرط ماضيا والجواب مضارعا ، ومنه قوله تعالى : * ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم ) * ( هود : 15 ) وجماعة منهم جوزوا ذلك مطلقا ، واحتجوا بالحديث المذكور ، وبقول عائشة ، رضي الله عنها ، في أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه : متى يقم مقامك رق ، والصواب : معهم ، لأنه وقع في كلام أفصح الناس ، وفي كلام عائشة الفصيحة . وقال بعضهم : واستدلوا بقوله تعالى : * ( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت ) * ( الشعراء : 4 ) لأن قوله : فظلت ، بلفظ الماضي ، وهو تابع للجواب ، وتابع الجواب جواب ! قلت : لا نسلم أن تابع الجواب جواب ، بل هو في حكم الجواب ، وفرق بين الجواب وحكم الجواب . وقوله ( ظلت ) عطف على قوله : ننزل ، وحق المعطوف صحة حلوله محل المعطوف عليه ، ثم قال هذا القائل : وعندي في الاستدلال به نظر ، أراد به استدلال المجوزين بالحديث المذكور ، لأنني أظنه من تصرف الرواة ، فقد رواه النسائي عن محمد بن علي بن ميمون عن أبي اليمان ، شيخ البخاري فيه ، فلم يغاير بين الشرط والجزاء ، بل قال : من يقم ليلة القدر يغفر له . ورواه أبو نعيم في المستخرج عن سليمان ، وهو الطبراني ، عن أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة عن أبي اليمان ولفظه : ( لا يقوم أحد ليلة القدر فيوافقها إيمانا واحتسابا إلاَّ غفر الله له ما تقدم من ذنبه ) . قلت : لقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون تصرف الرواة فيما رواه النسائي والطبراني ، وأن ما رواه البخاري بالمغايرة بين الشرط والجزاء هو اللفظ النبوي ، بل الأمر كذا ، لأن رواية محمد بن علي بن ميمون عن أبي اليمان لا تعادل رواية البخاري عن أبي اليمان : ولا رواية أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة عن أبي اليمان مثل رواية البخاري عنه ، ويؤيد هذا رواية مسلم أيضا ، ولفظ البخاري : ( من يقم ليلة القدر فيوافقها أراه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ، ولفظ حديث الطبراني ينادي بأعلى صوته بوقوع التغيير والتصرف من الرواة فيه ، لأن فيه النفي والإثبات موضع الشرط والجزاء في رواية البخاري ومسلم . قوله : ( من ذنبه ) يتعلق بقوله : ( غفر ) أي : غفر من ذنبه ما تقدم ، ويجوز أن تكون : من ، البيانية لما تقدم . فإن قلت : ( ما تقدم ) ما موقعه من الإعراب ؟ قلت : النصب على المفعولية على الوجه الأول ، والرفع على أنه مفعول ناب عن الفاعل على الوجه الثاني ، فافهم . الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل : لِمَ قال ههنا : من يقم ، بلفظ المضارع ، وقال فيما بعده : من قام رمضان ومن صام رمضان ، بالماضي ؟ وأجيب : بأن قيام رمضان وصيامه محقق الوقوع ، فجاء بلفظ يدل عليه بخلاف قيام ليلة القدر ، فإنه غير متيقن ، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل . ومنها ما قيل : ما النكتة في وقوع الجزاء بالماضي مع أن المغفرة في زمن الاستقبال ؟ وأجيب : للإشعار بأنه متيقن الوقوع متحقق الثبوت ، فضلاً من الله تعالى على عباده . ومنها