العيني

221

عمدة القاري

السقوط ، فيكون التقدير الآية إذا حدث كذب ، ولكن قوله : لا يصح غير صحيح ، إما أولاً : فلأن كون المبدل منه في حكم السقوط ليس على الإطلاق ، وإما ثانيا : فلأن تقديره بقوله الآية : إذا حدث كذب ليس بتقدير صحيح ، بل التقدير على تقدير البدل : آية المنافق وقت تحديثه بالكذب ، ووقت إخلافه بالوعد ، ووقت خيانته بالأمانة . والمبدل منه هو لفظ : ثلاث ، لا لفظ : المنافق . فافهم . بيان المعاني : فيه ذكر : إذا في الجمل الثلاث الدالة على تحقق الوقوع ، تنبيها على أن هذه عادة المنافق . وقال الخطابي : كلمة إذا تقتضي تكرار الفعل ، وفيه نظر . وفيه : حذف المفاعيل الثلاثة من الأفعال الثلاثة تنبيها على العموم . وفيه : عطف الخاص على العام ، لأن الوعد نوع من التحديث ، وكان داخلاً في قوله : ( إذا حدث ) ، ولكنه أفرده بالذكر معطوفا تنبيها على زيادة قبحه على سبيل الادعاء ، كما في عطف جبريل ، عليه السلام ، على الملائكة مع كونه داخلاً فيهم ، تنبيها على زيادة شرفه . لا يقال : الخاص إذا عطف على العام لا يخرج من تحت العام فحينئذ تكون الآية اثنتين لا ثلاثا ، لأنا نقول : لازم الوعد الذي هو الإخلاف الذي قد يكون فعلاً ، ولازم التحديث الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلاً متغايران ، فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايرين فافهم . وفيه : الحصر بالعدد ، فإن قلت : يعارضه الحديث الآخر الذي فيه لفظ أربع ! قلت : لا يعارضه أصلاً ، لأن معنى قوله : ( وإذا عاهد غدر ) . معنى قوله : ( وإذا اؤتمن خان ) ، لأن الغدر خيانة فيما اؤتمن عليه من عهده . وقال النووي : لا منافاة بين الروايتين من ثلاث خصال كما في الحديث الأول ، أو : أربع خصال ، كما في الحديث الآخر ، لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات كل واحدة منها يحصل بها صفة ، قد تكون تلك العلامة شيئا واحدا ، وقد تكون أشياء وروى أبو أمامة موقوفا : ( وإذا غنم غل ، وإذا أُمر عصى ، وإذا لقي جبن ) . وقال الطيبي : لا منافاة ، لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات ، فتارة يذكر بعضها ، وأخرى جميعها أو أكثرها . وقال القرطبي : يحتمل أن النبي ، عليه السلام ، استجد له من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده . قلت : الأولى أن يقال : إن التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص ، وقال بعضهم : ليس بين الحديثين تعارض لأنه لا يلزم من عد الخصلة كونها علامة ، على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدل على عدم إرادة الحصر ، فإن لفظه : ( من علامة المنافق ثلاث ) . وكذا أخرج الطبراني في ( الأوسط ) من حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه . وإذا حمل اللفظ الأول على هذا لم يرد السؤال ، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت ، وببعضها في وقت آخر . قلت : ولا فرق بين الخصلة والعلامة ، لأن كلاً منهما يستدل به على الشيء ، وكيف ينفي هذا القائل الملازمة الظاهرة وقوله : على أن في رواية مسلم إلخ ليس بجواب طائل ؟ بل المعارضة ظاهرة بين الروايتين ، ودفعها بما ذكرناه وحمل اللفظ الأول على هذا لا يصح من جهة التركيب ، فافهم . بيان استنباط الأحكام : استنبط من هذه العلامات الثلاث صفة المنافق وجه الانحصار على الثلاث ، هو : التنبيه على فساد القول والفعل والنية . فبقوله : ( إذا حدث كذب ) نبه على فساد القول ، وبقوله : ( إذا اؤتمن خان ) نبه على فساد الفعل ، وبقوله : ( إذا وعد أخلف ) نبه على فساد النية ، لأن خلف الوعد لا يقدح إلاَّ إذا عزم عليه مقارنا بوعده ، أما إذا كان عازما ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم توجد فيه صفة النفاق ، ويشهد لذلك ما رواه الطبراني بإسناد لا بأس به في حديث طويل من حديث سلمان ، رضي الله عنه : ( إذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف ) . وكذا قال في باقي الخصال . وقال العلماء : يستحب الوفاء بالوعد بالهبة وغيرها استحبابا مؤكدا ، ويكره إخلافه كراهة تنزيه لا تحريم ، ويستحب أن يعقب الوعد بالمشيئة ليخرج عن صورة الكذب ، ويستحب إخلاف الوعيد إذا كان التوعد به جائزا ، ولا يترتب على تركه مفسدة . واعلم أن جماعة من العلماء عدوا هذا الحديث من المشكلات من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق بقلبه ولسانه ، مع أن الإجماع حاصل أنه لا يحكم بكفره ، ولا بنفاق يجعله في الدرك الأسفل من النار . قلت : ذكروا فيه أوجها . الأول : ما قاله النووي : ليس في الحديث إشكال ؛ إذ معناه أن هذه الخصال نفاق ، وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه ، ومتخلق بأخلاقهم ، إذ النفاق إظهار ما يبطن خلافه ، وهوموجود في صاحب هذه الخصال ، ويكون نفاقه خاصا في حق من حدثه ووعده وائتمنه ، لا أنه منافق في الإسلام مبطن للكفر . الثاني : ما قاله بعضهم : هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه ، وأما من نذر