العيني
216
عمدة القاري
رواية شعبة عنه وبين روايات جرير ووكيع وعيسى بن يونس اختلاف ، والتوفيق بينهما أن يجعل إحداهما مبينة للأخرى ، فيكون المعنى : لما شق عليهم أنزل الله تعالى * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( لقمان : 13 ) فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الظلم المطلق في إحداهما يراد به المقيد في الأخرى ، وهو الشرك . فالصحابة ، رضي الله عنهم ، حملوا اللفظ على عمومه ، فشق عليهم إلى أن أعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ليس كما ظننتم ، بل كما قال لقمان عليه السلام . فإن قلت : من أين حملوه على العموم ؟ قلت : لأن قوله : ( بظلم ) نكرة في سياق النفي ، فاقتضت التعميم . فإن قلت : من أين لزم أن من لبس الإيمان بظلم لا يكون آمنا ولا مهتديا حتى شق عليهم ؟ قلت : من تقديم : لهم ، على الأمن ، في قوله : * ( أولئك لهم الأمن ) * ( الأنعام : 82 ) أي : لهم الأمن لا لغيرهم ، ومن تقديم * ( وهم ) * على * ( مهتدون ) * ( الأنعام : 82 ) في قوله : * ( وهم مهتدون ) * ( الأنعام : 82 ) وقال الزمخشري في : * ( كلمة هو قائلها ) * ( المؤمنون : 100 ) إنه : للتخصيص ، أي : هو قائلها لا غيره . فإن قلت : لا يلزم من قوله تعالى : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( لقمان : 13 ) إن غير الشرك لا يكون ظلما . قلت : التنوين في : بظلم ، للتعظيم ، فكأنه قال : لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم ، فلما تبين أن الشرك ظلم عظيم ، علم أن المراد : لم يلبسوا إيمانهم بشرك ، وقد ورد ذلك صريحا عند البخاري من طريق حفص بن غياث عن الأعمش ، ولفظ : ( قلنا : يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه ؟ قال : ليس كما تقولون ، لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك ، أولم تسمعوا إلى قول لقمان ) ؟ فذكر الآية . فإن قلت : لِمَ ينحصر الظلم العظيم على الشرك ؟ قلت : عظمة هذا الظلم معلومة بنص الشارع ، وعظمة غيره غير معلومة ، والأصل عدمها . بيان استنباط الأحكام : الأول : إن العام يطلق ويراد به الخاص ، بخلاف قول أهل الظاهر ، فحمل الصحابة ذلك على جميع أنواع الظلم ، فبين الله تعالى أن المراد نوع منه ، وحكى الماوردي في الظلم في الآية قولين . أحدهما : أن المراد منه الشرك ، وهو قول أبي بن كعب وابن مسعود عملاً بهذا الحديث . قال : واختلفوا على الثاني ، فقيل : إنها عامة ، ويؤيده ما وراه عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي ( أن رجلاً سأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكت حتى جاء رجل فأسلم ، فلم يلبث قليلاً حتى استشهد . فقال ، عليه السلام : هذا منهم ، من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) . وقيل : إنها خاصة نزلت في إبراهيم ، عليه السلام ، وليس في هذه الآية فيها شيء ، قاله علي ، رضي الله عنه . وقيل : إنها فيمن هاجر إلى المدينة . قاله عكرمة . قلت : جعل صاحب ( الكشاف ) هذه الآية جوابا عن السؤال ، أعني قوله : * ( فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ) * ( الأنعام : 81 ) وأراد بالفريقين فريقي المشركين والموحدين ، وفسر الشرك بالمعصية . فقال : أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم ، ثم قال : وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس ، وهذا لا يمشي إلاَّ على قول من قال : إنها خاصة نزلت في إبراهيم . الثاني : إن المفسر يقضي على المجمل . الثالث : إثبات العموم . الرابع : عموم النكرة في سياق النفي لفهم الصحابة وتقرير الشارع عليه وبيانه لهم التخصيص ، وأنكر القاضي العموم ، فقال : حملوه على أظهر معانيه ، فإنه وإن كان يطلق على الكفر وغيره لغة وشرعا ، فعرف الاستعمال فيه العدول عن الحق في غير الكفر ، كما أن لفظ الكفر يطلق على معان من : جحد النعم والستر ، لكن الغالب عند مجرد الإطلاق حمله على ضد الإيمان ، فلما ورد لفظ الظلم من غير قرينة حمله الصحابة على أظهر وجوهه ، فليس فيه دلالة العموم . قلت : يرد هذا ما ذكرناه من أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم ، ورواية البخاري أيضا . الخامس : استنبط منه المازري والنووي وغيرهما تأخير البيان إلى وقت الحاجة وقال القاضي عياض في الرد على ذلك بأنه ليس في هذه القضية تكليف عمل ، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر ، واعتقاد بتصديق لازم لأول وروده ، فما هي الحاجة المؤخرة إلى البيان ؟ لكنهم لما أشفقوا بين لهم المراد . وقال بعضهم : ويمكن أن يقال : المعتقد أيضا يحتاج إلى البيان فما انتفت الحاجة ، والحق أن في القضية تأخير البيان عن وقت الخطاب لأنهم حيث احتاجوا إليه لم يتأخر . قلت : لو فهم هذا القائل كلام القاضي لما استدرك عليه بما قاله ، فالقاضي يقول : اعتقاد التصديق لازم . . . الخ ، فالذي يفهم هذا الكلام كيف يقول : فما انتفت الحاجة . وقوله : والحق أن في القصة تأخير البيان عن وقت الخطاب ، ليس بحق ، لأن الآية ليس فيها خطاب ، والخطاب من باب الإنشاء ، والآية إخبار . على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب ممتنع عند جماعة . وقيد الكرخي جوازه في المجمل على ما عرف