العيني

212

عمدة القاري

يستحق النار لكونه ظالما ! فما بال المقتول وهو مظلوم ؟ ونظيره : هذا زيد عالم ، وقد علم أن المبتدأ إذا اتحد بالخبر لا يحتاج إلى ضمير ، ومنه قوله سبحانه وتعالى : * ( ولباس التقوى ذلك خير ) * ( الأعراف : 26 ) وقوله عليه السلام : ( أفضل ما قلت ، أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله ) . بيان المعاني والأحكام : قوله : ( انصر هذا الرجل ) يعني : علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، ووقع في رواية الإسماعيلي يعني : عليا ، ووقع للبخاري في الفتن : ( أريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وقال الكرماني : وقيل : يعني عثمان ، رضي الله عنه ، قلت : هذا بعيد ، ويرده ما في الصحيح . قوله : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما ) وفي الرواية الأخرى : ( إذا توجه المسلمان ) ، أي : إذا ضرب كل واحد منهما وجه صاحبه ، أي : ذاته وجملته . قوله : ( فالقاتل والمقتول في النار ) قال عياض وغيره : معناه إن جازاهما الله تعالى وعاقبهما كما هو مذهب أهل السنة ، وهو أيضا محمول على غير المتأول ، كمن قاتل لمعصية أو غيرها مما يشبهها ، ويقال : معنى القاتل والمقتول في النار ، أنهما يستحقانها ، وأمرهما إلى الله عز وجل ، كما هو مصرح به في حديث عبادة : ( فإن شاء عفا عنهما ، وإن شاء عاقبهما ، ثم أخرجهما من النار فأدخلهما الجنة ) ، كما ثبت في حديث أبي سعيد وغيره في العصاة الذين يخرجون من النار فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ، ونظير هذا الحديث في المعنى قوله تعالى : * ( فجزاؤه جهنم ) * ( النساء : 93 ) معناه : هذا جزاؤه ، وليس بلازم أن يجازى . واختلف العلماء في القتال في الفتنة : فمنع بعضهم القتال فيها وإن دخلوا عليه ، عملاً بظاهر هذا الحديث ، وبحديث أبي بكرة في صحيح مسلم الطويل : ( إنها ستكون فتن . . . ) الحديث . وقال هؤلاء : لا يقاتل ، وإن دخلوا عليه وطلبوا قتله ، ولا تجوز له المدافعة عن نفسه لأن الطالب متأول ، وهذا مذهب أبي بكرة وغيره . وفي ( طبقات ) ابن سعد مثله عن أبي سعيد الخدري ، وقال عمران بن حصين وابن عمرو وغيرهما : لا يدخل فيها ، فإن قصدوا دفع عن نفسه . وقال معظم الصحابة والتابعين وغيرهما : يجب نصر الحق وقتال الباغين لقوله تعالى : * ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) * ( الحجرات : 9 ) وهذا هو الصحيح ، ويتأول أحاديث المنع على من لم يظهر له الحق ، أو على عدم التأويل لواحد منهما ، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطالوا ، والحق الذي عليه أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة ، وحسن الظن بهم ، والتأويل لهم ، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا ، فمنهم المخطىء في اجتهاده والمصيب ، وقد رفع الله الحرج عن المجتهد المخطىء في الفروع ، وضعف أجر المصيب ، وتوقف الطبري وغيره في تعيين المحق منهم ، وصرح به الجمهور وقالوا : إن عليا ، رضي الله عنه ، وأشياعه كانوا مصيبين إذا كان أحق الناس بها ، وأفضل من على وجه الدنيا حينئذ . قوله : ( إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) وفي رواية : إنه قد أراد قتل صاحبه . قال القاضي : فيه حجة للقاضي أبي بكر بن الطيب ، ومن قال بقوله : إن العزم على الذنب والعقد على عمله معصية بخلاف الهم المعفو عنه ، قال : وللمخالف له أن يقول : هذا قد فعل أكثر من العزم ، وهو المواجهة والقتال . وقال النووي : والأول هو الصحيح . والذي عليه الجمهور أن من نوى المعصية وأصر عليها يكون آثما ، وإن لم يعملها ولا تكلم . قلت : التحقيق فيه أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه ، ولهذا جاء بلفظ الحرص فيه ، ويحمل ما وقع من نحو قوله عليه السلام : ( إن الله تجاوز لأمتي عن ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعلموا به ) . وفي الحديث الآخر : ( إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه ) ، على أن ذلك فيما إذا لم يوطن نفسه عليها ، وإنما مر ذلك بفكره من غير استقرار ، ويسمى هذا هما ويفرق بين الهم والعزم ، وإن عزم تكتب سيئة ، فإذا عملها كتبت معصية ثانية . الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل : في قوله ( انصر هذا الرجل ) إن السؤال عن المكان والجواب عن الفعل ، فلا تطابق بينهما . وأجيب : بأن المراد : أريد مكانا انصر فيه . ومنها ما قيل : القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة إن كان قتالهم من الاجتهاد الواجب اتباعه . وأجيب : بأن ذلك عند عدم الاجتهاد وعدم ظن أن فيه الصلاح الديني أما إذا اجتهد وظن الصلاح فيه ، فهما مأجوران مثابان ، من أصاب فله أجران ، ومن أخطأ فله أجر ، وما وقع بين الصحابة هو من هذا القسم ، فالحديث ليس عاما . ومنها ما قيل : لم منع أبو بكرة الأحنف منه ، ولم امتنع بنفسه منه ؟ وأجيب : بأن ذلك أيضا اجتهادي ، فكان يؤدي اجتهاده إلى الامتناع والمنع ، فهو أيضا مثاب في ذلك . ومنها ما قيل : إن لفظة ( في النار ) مشعرة بحقية مذهب المعتزلة ، حيث