العيني

207

عمدة القاري

خبر مبتدأ محذوف تقديره : هم جعلهم الله تحت أيديكم . قوله : ( فمن كان ) كلمة من ، موصولة متضمنة معنى الشرط في محل الرفع على الابتداء ، و : ( أخوه ) مرفوع لأنه اسم كان ، وقوله : ( تحت يده ) منصوب على أنه خبره ، والجملة صلة الموصول . وقوله : ( فليطعمه ) خبر المبتدأ ، والفاء لتضمنه معنى الشرط ، وأما الفاء التي في : فمن ، فإنها عاطفة على مقدر ، تقديره : وأنتم مالكون إياهم ، فمن كان إلى آخره ، ويجوز أن تكون سببية كما في قوله تعالى : * ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة ) * ( الحج : 63 ) قوله : ( مما يأكل ) يجوز أن تكون ما ، موصولة ، والعائد محذوف تقديره : من الذي يأكله ، ويجوز أن تكون مصدرية أي من أكله . قوله : ( وليلبسه ) عطف على : ( فليطعمه ) وإعراب ( مما يلبس ) مثل إعراب ( مما يأكل ) . قوله : ( ولا تكلفوهم ) جملة ناهية من الفعل والفاعل والمفعول . وقوله : ( ما يغلبهم ) جملة في محل النصب على أنها مفعول ثان ، وكلمة : ما ، موصولة ، ويغلبهم ، صلتها . قوله : ( فأعينوهم ) ، جواب الشرط فلذلك دخلت الفاء . بيان المعاني والبيان : فيه ثلاثة أحوال متوالية . وهي قوله : ( بالربذة ) و : ( عليه حلة ) و ( على غلامه حلة ) فإن قلت : الحال ما بين هيئة الفاعل والمفعول ، وبيان هيئة المفعول في الحالين الأولين ظاهر ، وأما ما في الحال الأخيرة وهي قوله ( وعلى غلامه حلة ) فغير ظاهر . قلت : هذا نظير قولك جئت ماشيا وزيد متكئ إذ المعنى : جئت في حال مشي ، وحال اتكاء زيد ، فكذلك التقدير ههنا : لقيت أبا ذر في حال كونه بالربذة ، وحال كون غلامه في حلة . واسم هذا الغلام لم يبين في روايات هذا الحديث ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون أبا مراوح ، مولى أبي ذر ، وحديثه عنه في الصحيحين . قلت : هذا خدش ، وبالاحتمال لا تثبت الحقيقة . فإن قلت : قد اختلفت ألفاظ هذا الحديث في الحلة ، فاللفظ الواقع هنا : عليه حلة وعلى غلامه حلة ، وعند البخاري أيضا في الأدب في رواية الأعمش عن المعرور بلفظ : ( رأيت عليه بردا وعلى غلامه بردا فقلت : لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة ) . وفي رواية مسلم : ( فقلنا : يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة ) . وفي رواية أبي داود : ( فقال القوم : يا أبا ذر لو أخذت الذي على غلامك فجعلته مع الذي عليك لكانت حلة ) . وفي رواية الإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة : ( أتيت أبا ذر فإذا حلة ، عليه منها ثوب ، وعلى عبده ، منها ثوب ) . وقد بينا أن الحلة ثوبان من جنس واحد ، فكيف التوفيق بين هذه الألفاظ ؟ فإن لفظه ههنا يدل على الحلتين : حلة على أبي ذر وحلة على عبده ، ولفظه في رواية الأعمش يدل على أن الذي كان عليه هو البرد وعلى غلامه كذلك ، ولا يسمى هذا حلة إلا بالجمع بينهما ، ولهذا قال في رواية مسلم : ( لو جمعت بينهما كانت حلة ) . وكذا في رواية أبي داود ورواية الإسماعيلي تدل على أنها كانت حلة واحدة باعتبار جمع ما كان على أبي ذر وعلى عبده من الثوبين . قلت : تحمل روايته ههنا على المجاز باعتبار ما يؤول ، ويضم إلى الثوب الذي كان على كل واحد منهما ثوب آخر ، أو باعتبار إطلاق اسم الكل على الجزء ، فلما رأى المعرور على أبي ذر ثوبا وعلى غلامه ثوبا من الأبراد ، كما هو في رواية البخاري في الأدب ، أطلق على كل واحد منهما حلة باعتبار ما يؤول ، ويدل عليه رواية مسلم : ( لو جمعت بينهما كانت حلة ) . وكذا رواية أبي داود . وأما رواية الإسماعيلي فإنها أيضا مجاز ، ولكن المجاز فيها في موضع واحد ، وفي الرواية التي ههنا في الموضعين . فافهم . هذا هو الذي فتح لي ههنا من الأنوار الإلهية . وقال بعضهم : يمكن الجمع بين الروايتين بأنه كان عليه برد جيد تحت ثوب خلق من جنسه ، وعلى غلامه كذلك ، وكأنه قيل له : لو أخذت البرد الجيد فأضفته إلى البرد الجيد الذي عليك ، وأعطيت الغلام البرد الخلق بدله لكانت حلة جيدة ، فتلتئم بذلك الروايتان ، ويحمل قوله في حديث الأعمش : ( لكانت حلة ) أي : كاملة الجودة ، فالتنكير فيه للتعظيم . قلت : ليس الجمع إلا بالطريق الذي ذكرته ، وما ذكره ليس بجمع ، فإنه نص في الرواية التي ههنا على حلتين ، وفي رواية الإسماعيلي على حلة واحدة ، وبالتأويل الذي ذكره يؤول المعنى إلى أن يكون عليه حلة وعلى غلامه حلة باجتماع الجديدين عليه والخلقين على غلامه فيعارض هذا رواية الإسماعيلي ، فإنها تدل على أنها كانت حلة واحدة ، وكانت عليهما جميعا . وقوله : ويحتمل قوله في حديث الأعمش إلى آخر كلام صادر من غير تروٍّ وتأمل لأنه لا يفرق بينه وبين رواية الإسماعيلي في المعنى ، والتنكير فيه ليس للتعظيم ، وإنما هو للإيراد أي : لا يراد فرد واحد . فافهم . قوله : ( فسألته عن ذلك ) أي : عن تساويهما في لبس الحلة ، فإن قلت : لم سأله عن ذلك وما الفائدة فيه ؟ قلت : لأن عادة العرب وغيرهم أن يكون ثياب المملوك دون سيده ، والذي