العيني
201
عمدة القاري
أيَكْفُرْنَ باللَّهِ قالَ يَكْفُرَن العَشِيرَ ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ لَوْ أحْسَنْتَ إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهرَ ثُمَّ رَأتْ مِنْكَ شَيْئا قَالَتْ مَا رَأيْتُ مِنْكَ خَيْرا قَطُّ . . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأنها في كفران العشير وإطلاق الكفر على غير الكفر بالله . بيان رجاله : وهم خمسة الأول : عبد الله بن مسلمة القعنبي المدني ، وقد تقدم ذكره . الثاني : الإمام مالك بن أنس ، وقد تقدم ذكره أيضا ، الثالث : أبو أسامة زيد بن أسلم القرشي العدوي ، مولى عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، روى عن أبيه وعبد الله بن عمر وأنس وجابر وسلمة بن الأكوع وعطاء بن يسار وغيرهم ، روى عنه مالك والزهري ومعمر وأيوب ويحيى وعبد الله بن عمر والثوري وبنوه عبد الله وعبد الرحمن وأسامة وغيرهم . قال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث ، توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة . روى له الجماعة . الرابع : عطاء بن يسار ، بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة ، القاضي المدني الهلالي ، مولى ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها ، أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله ، سمع أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم ، وروى عنه عمرو بن دينار وزيد بن أسلم وغيرهما . وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث . وقال يحيى بن معين وأبو زرعة : هو ثقة توفي سنة ثلاث أو أربع ومائة ، وقيل : أربع وتسعين ، روى له الجماعة . الخامس : عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما . بيان لطائف إسناده منها : أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها : أنهم أئمة أجلاء كبار . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه ههنا : عن عبد الله بن مسلمة عن مالك ، وهو طرف من حديث طويل أورده في باب : صلاة الكسوف بهذا الاسناد تاما ، وأخرجه في الصلاة في باب : من صلى وقدامه نار بهذا الاسناد بعينه ، وأخرجه في بدء الخلق في ذكر الشمس والقمر عن شيخ غير القعنبي مقتصرا على موضع الحاجة ، وأخرجه في عشرة النساء عن شيخ غيرهما عن مالك أيضا . وأخرجه في كتاب العلم عن سليمان بن حرب عن شعبة عن أيوب عن ابن عباس . وأخرجه مسلم في العيدين عن أبي بكر وابن أبي عمر عن سفيان عن أيوب ، وعن أبي رافع بن أبي رفاعة عن عبد الرزاق عن ابن جريج كلاهما عن عطاء ، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر أيضا ، وأخرجاه من حديث جابر رضي الله عنه أيضا . فإن قلت : ما فائدة تقطيع هذا الحديث وإخراج طرف منه ههنا ، ثم إخراجه تاما في موضع آخر بعين الإسناد الذي ههنا ؟ قلت : مذهبه جواز تقطيع الحديث إذا كان ما يقطعه منه لا يستلزم فساد المعنى ، وغرضه من ذلك تنويع الأبواب ، وربما يتوهم من لا يحفظ الحديث ، ولا له كثرة الممارسة فيه ، أن المختصر حديث مستقل بذاته ، وليس بعض غيره ، لا سيما إذا كان ابتداء المختصر من أثناء الحديث التام كما في هذا الحديث ، فإن أوله هنا قوله عليه السلام : ( أريت النار ) إلى آخر ما ذكر منه ، وأول التام عن ابن عباس قال : ( خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، فذكر قصة صلاة الكسوف ، ثم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها القدر المذكور هنا ، وكثير ممن يعد أحاديث البخاري يظن أن مثل هذا الحديث حديثان أو أكثر لاختلاف ابتداء الحديث ، فمن ذلك قالوا عدة أحاديثه بغير تكرار أربعة آلاف أو نحوها ، وكذا ذكر ابن الصلاح والنووي ومن بعدهما ، وليس كذلك ، بل إذا حرر ذلك لا يزيد على ألفي حديث وخمسمائة حديث وثلاثة عشر حديثا . بيان اللغات : قوله : ( أريت ) ؛ بضم الهمزة ، من الرؤية التي بمعنى التبصير . قوله : ( العشير ) قد مر تفسيره ، قوله : ( الإحسان ) ، مصدر أحسن ، يقال : أحسنت به وأحسنت إليه إذا فعلت معه جميلاً ، وأصله من الحسن خلاف القبح . قوله : ( الدهر ) ، هو الزمان ، والجمع : الدهور ، ويقال : الدهر : الأبد ، وقال الأزهري : الدهر عند العرب يقع على بعض الدهر الأطول ، ويقع على مدة الدنيا كلها . وقال ابن دريد : قال قوم : الدهر مدة الدنيا من ابتدائها إلى انقضائها . وقال آخرون : بل دهر كل قوم زمانهم . قوله : ( قط ) ، لتأكيد نفي الماضي ، وفيها لغات : فتح القاف وضمها مع تشديد الطاء المضمومة فيهما ، وبفتحهما مع تشديد الطاء المكسورة ، وبالفتح مع إسكان الطاء ، وبالفتح بكسر الطاء المخففة . قال الجوهري : قال الكسائي : كان أصلها : قطط ، فسكن الأول وحرك الآخر بإعرابه ، ثم قال بعد حكايته : فيها لغات منها عن بعضهم : قط وقط بالتخفيف ، وزاد القاضي : قط