العيني
195
عمدة القاري
وليس بمجاز . فإن قلت : لم لا يكون مجازاً من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم إذ الملازمة في الكناية لا بد أن تكون مساوية ؟ قلت : شرط المجاز امتناع معنى المجاز والحقيقة ، وههنا لا امتناع في اجتماع الكفر والكب ، فهو كناية لا غير . فإن قلت : الكب قد يكون للمعصية ، فلا يستلزم الكفر . قلت : المراد من الكب كب مخصوص لا يكون إلاَّ للكافر ، وإلاَّ فلا تصح الكناية أيضاً ، وإنما قلنا : إن المراد كب مخصوص لان معنى قوله : ( خشية أن يكبه الله في النار ) مخافة من كفره الذي يؤديه إلى كب الله إياه في النار ، والضمير في : يكبه ، للرجل في قوله : ( إني لأعطي الرجل ) أي : اتألف قلبه بالإعطاء مخافة من كفره إذا لم يعط ، والتقدير : أنا أعطي من في إيمانه ضعف ، لأني أخشى عليه لو لم أعطه أن يعرض له اعتقاد يكفر به فيكبه الله تعالى في النار ، كأنه أشار إلى المؤلفة أو إلى من ، إذ منع نسب الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، إلى البخل ، وأما من قوي إيمانه فهو أحب إلي فأكله إلى ايمانه ولا أخشى عليه رجوعاً عن دينه ولا سوء اعتقاد ، ولا ضرر فيما يحصل له من الدنيا . والحاصل ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يوسع العطاء لمن أظهر الإسلام تألفاً ، فلما أعطى الرهط وهم من المؤلفة ، وترك جعيلاً وهو من المهاجرين ، مع أن الجميع سألوه ، خاطبه سعد ، رضي الله عنه ، في أمره ، لأنه كان يرى أن جعيلاً أحق منهم لما اختبر منه دونهم ، ولهذا راجع فيه أكثر من مرة ، فنبهه النبي صلى الله عليه وسلم بأمرين : أحدهما : نبهه على الحكمة في إعطاء أولئك الرهط ، ومنع جعيل مع كونه أحب إليه ممن أعطى ، لأنه لو ترك إعطاء المؤلفة لم يؤمن ارتدادهم فيكبون في النار . والآخر : نبهه صلى الله عليه وسلم على أنه ينبغي التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر . فإن قلت : كيف لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة مثل سعد ، رضي الله عنه ، لجعيل بالايمان ؟ قلت : قوله : ( فوالله ، إني لأراه مؤمنا ) لم يخرج الشهادة ، وإنما خرج مخرج المدح له ، والتوسل في الطلب لأجله ، فلهذا ناقشه في لفظه . وفي الحديث ما يدل على أنه قبل قوله فيه وهو قوله ، عليه الصلاة والسلام : ( يا سعد إني لأعطي الرجل ) الخ . ومما يدل على ذلك ما روي في مسند محمد بن هارون الروياني وغيره ، بإسناده صحيح إلى أبي سالم الجيشاني : ( عن أبي ذر ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال له : كيف ترى جعيلا ؟ قال : قلت : كشكله من الناس ، يعني المهاجرين . قال : فكيف ترى فلاناً ؟ قال : قلت : سيداً من سادات الناس . قال : فجعيل خير من ملأ الأرض من فلان . قال : قلت : ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع ! قال : إنه رأس قومه . فأنا أتألفهم به ) . انتهى فهذه منزلة جعيل ، رضي الله عنه ، عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا كان الأمر كذلك علم أن حرمانه وإعطاء غيره كان لمصلحة التأليف . بيان استنباط الاحكام : وهو على وجوه . الأول : فيه جواز الشفاعة ، إلى ولاة الأمر وغيرهم . الثاني : فيه مراجعة المشفوع إليه في الأمر الواحد إذا لم يؤد إلى مفسدة . الثالث : فيه الأمر بالتثبت وترك القطع بما لا يعلم فيه القطع . الرابع : فيه أن الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهم فالأهم . الخامس : فيه أن المشفوع إليه لا عتب عليه إذا رد الشفاعة إذا كانت خلاف المصلحة ، السادس : فيه أنه ينبغي أن يعتذر إلى الشافع ويبين له عذره في ردها . السابع : فيه أن المفضول ينبه الفاضل على ما يراه مصلحة لينظر فيه الفاضل . الثامن : فيه أنه لا يقطع لأحد على التعيين بالجنة إلاَّ من ثبت فيه النص ، كالعشرة المبشرة بالجنة . التاسع : فيه أن الإقرار باللسان لا ينفع إلاَّ إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب ، وعليه الإجماع ، ولهذا كفر المنافقون . واستدل به جماعة على جواز قول المسلم : أنا مؤمن ، مطلقاً من غير تقييده بقوله : إن شاء الله تعالى . قال القاضي : فيه حجة لمن يقول بجواز قوله : أنا مؤمن ، من غير استثناء ، ورد على من أباه . وقد اختلف فيها من لدن الصحابة ، رضي الله عنهم ، إلى يومنا هذا ، وكل قول إذا حقق كان له وجه ، فمن لم يستثن أخبر عن حكمه في الحال ، ومن استثنى أشار إلى غيب ما سبق له في اللوح المحفوظ ، وإلى التوسعة في القولين ذهب الأوزاعي وغيره ، وهو قول أهل التحقيق نظراً إلى ما قدمناه ، ورفعا للخلاف . العاشر : قالوا : فيه دليل على جواز الحلف على الظن ، وهي : يمين اللغو ، وهو قول مالك والجمهور . قلت : قد اختلف العلماء في يمين اللغو على ستة أقوال : أحدها : قول مالك كما ذكروه عنه ، وقال الشافعي : هي أن يسبق لسانه إلى اليمين من غير أن يقصد اليمين ، كقول الإنسان : لا والله وبلى والله واستدل بما روي عن عائشةِ رضي الله عنها ، مرفوعاً : ( إن لغو اليمين قول الإنسان لا والله وبلى والله ) . وحكى ذلك محمد عن أبي حنيفة ، رضي الله عنه ، وأما المشهور عند أصحابنا أن : لغو اليمين هو الحلف على أمر يظنه كما قال ، والحال أنه خلافه