العيني
188
عمدة القاري
العمامة والزبرقان ، بكسر الزاي وسكون الباء الموحدة وكسر الراء المهملة وبالقاف : هو لقب ، واسمه : الحصين . قال ابن السكيت لقب الزبرقان لصفرة عمامته ، والمبرور : هو الذي لا يخالطه إثم ، ومنه : برت يمينه إذا سلم من الحنث . وقيل : هو المقبول ، ومن علامات القبول أنه إذا رجع يكون حاله خيراً من الحال الذي قبله ، وقيل : هو الذي لا رياء فيه ، وقيل : هو الذي لا تتعقبه معصية ، وهما داخلان فيما قبلهما ، والبر ، بالكسر : الطاعة والقبول ، يقال : بر حجك ، بضم الباء وفتحها لازمين ، وبر الله حجك ، وأبر الله اي قبله ، فله أربعة استعمالات . وقال الأزهري : المبرور المتقبل ، يقال : بر الله حجه يبره اي : تقبله ، وأصله من البر ، وهو اسم لجماع الخير ، وبررت فلاناً أبره براً ، إذا وصلته وكل عمل صالح بر ، وجعل لبيد البر : التقوى ، فقال : * وما البر إلاَّ مضمرات من التقى * وما المال إلاّ معمرات ودائع * قوله : مضمرات ، يعني الخفايا من التقى ، قوله : وما المال إلاّ معمرات : اي المال الذي في أيديكم ودائع مدة عمركم ثم يصير لغيركم . واما قول عمرو ابن أم مكتوم : * نحز رؤوسهم في غير بر * فمعناه : في غير طاعة . وفي ( العباب ) : المبرة والبر : خلاف العقوق ، وقوله تعالى : * ( أتأمرون الناس بالبر ) * ( البقرة : 44 ) أي : بالاتساع في الإحسان والزيادة منه وقوله عز وجل : * ( لن تنالوا البر ) * ( البقرة : 189 ) قال السدي : يعني الجنة والبر أيضاً : الصلة ، تقول منه : بررت والدي ، بالكسر ، و : بررته ، بالفتح ، أبره براً ، والمبرور : الذي لا شبهة فيه ولا خلابة ، وقال أبو العباس : هو الذي لا يدالس فيه ولا يوالس ، يدالس فيه : يظلم فيه ، ويوالس : يخون . ( بيان الاعراب : ) قوله : ( سئل ) جملة في محل الرفع لأنها خبر : إن ، والسائل هو : أبو ذر رضي الله عنه ، وحديثه في العتق . قوله : ( أي العمل ) ؟ كلام إضافي : مبتدأ وخبره : ( أفضل ) وأي ، ههنا استفهامية ، ولا تستعمل إلاَّ مضافاً إليه إلاَّ في النداء والحكاية ، يقال : جاءني رجل ، فتقول : أي : يا هذا ، وجاءني رجلان فتقول : أيان ، ورجال فتقول : أيون . فإن قلت : ( افضلْ ) أفعل التفضيل ولا يستعمل إلاَّ بأحد الأَوجه الثلاثة ، وهي : الإضافة ، واللام ، ومن ، فلا يجوز أن يقال : زيد أفضل . قلت : إذا علم يجوز استعماله مجرداً نحو : الله أكبر ، أي : أكبر من كل شيء ؟ ومنه قوله تعالى : * ( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) * ( البقرة : 61 ) ؟ وسواء في ذلك كون أفعل خبراً كما في الآية ، أو غير خبر كما في قوله تعالى : * ( يعلم السر واخفى ) * ( طه : 7 ) وقد يجرد : أفعل عن معنى التفضيل ويستعمل مجرداً مؤولاً باسم الفاعل ، نحو قوله تعالى : * ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ) * ( النجم : 32 ) ، وقد يؤول بالصفة كما في قوله تعالى : * ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) * ( الروم : 27 ) قوله : ( قال ) اي : النبي ، عليه السلام . وقوله : ( إيمان بالله ) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو إيمان بالله ، والتقدير : أفضل الأعمال الإيمان بالله . قوله : ( ورسوله ) بالجر تقديره : والإيمان برسوله . قوله : ( قيل ) ، مجهول قال ، وأصله : نقلت كسرة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها ، فصار : قول ، بكسر القاف وسكون الواو ، ثم قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، فصار : قيل ، والقائل هو السائل في الأول . قوله : ( ثم ماذا ) ، كلمة ثم للعطف مع الترتيب الذكري ، وما مبتدأ و : ذا ، خبره ، وكلمة : ما ، استفهامية ، و : ذا ، اسم إشارة والمعنى : ثم أي شيء أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله ؟ ويجوز أن تكون الجمل كلها استفهاماً على الترتيب . قوله ( الجهاد ) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الجهاد والتقدير : أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله الجهاد ، وكذلك الكلام في إعراب قوله : ( ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور ) . ( بيان المعاني والبيان ) : فيه حذف المبتدأ في ثلاث مواضع الذي هو المسند إليه لكونه معلوماً إحترازاً عن العبث ؛ وفيه تنكير الإيمان والحج وتعريف الجهاد ، وذلك لأن الايمان والحج لا يتكرر وجوبهما بخلاف الجهاد فإنه قد يتكرر ، فالتنوين للإفراد الشخصي ، والتعريف للكمال ، إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل . وقال بعضهم : وتعقب عليه بان التنكير من جملة وجوهه : التعظيم ، وهو يعطي الكمال ، وبأن التعريف من جملة وجوهه : العهد ، وهو يعطي الإفراد الشخصي ، فلا يسلم الفرق . قلت : هذا التعقيب فاسد ، لأنه لا يلزم من كون التعظيم من جملة وجوه التنكير أن يكون دائماً للتعظيم ، بل يكون تارة للإفراد ، وتارة للنوعية ، وتارة للتعظيم ، وتارة للتحقير ، وتارة للتكثير ، وتارة للتقليل . ولا يعرف الفرق ولا يميز إلاَّ بالقرينة الدالة على واحد منها ، وههنا دلت القرينة أن التنكير للإفراد الشخصي . وقوله : وبان التعريف من وجوهه العهد فاسد عند المحققين ، لأن عندهم أصل التعريف للعهد ، وفرق كثير بين كونه للعهد وبين