العيني
185
عمدة القاري
العد بدون الهاء فهو : الماء الذي لا ينقطع ، كماء العين وماء البئر . والعد أيضا : الكثرة . قوله : ( عدة ) مرفوع بقال ، ويجوز فيه قال وقالت لأن التأنيث في عدة غير حقيقي ، وكلمة من في قوله : ( من أهل العلم ) للبيان ، قوله : ( في قوله ) يتعلق بقال ، والخطاب في : * ( فوربك ) * ( الحجر : 92 ) للنبي صلى الله عليه وسلم ، والواو فيه للقسم ، وقوله : * ( لنسألنهم ) * ( الحجر : 92 ) جواب القسم مؤكدا باللام . قوله : * ( عن قول ) * ( الحجر : 92 ) يتعلق بقوله : * ( لنسألنهم ) * أي : لنسألنهم عن كلمة الشهادة التي هي عنوان الإيمان ، وعن سائر أعمالهم التي صدرت منهم . الثاني : أن الجماعة الذين ذهبوا إلى ما ذكره نحو أنس بن مالك وعبد الله بن عمر ومجاهد بن جبر رضي الله عنهم ، وأخرج الترمذي مرفوعا ، عن أنس : * ( فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) * ( الحجر : 92 ) قال : ( عن لا إله إلا الله ) وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف لا يحتج به ، والذي روى عن ابن عمر في ( التفسير ) للطبري وفي كتاب ( الدعاء ) للطبراني ، والذي روى عن مجاهد في تفسير عبد الرزاق وغيره . وقال النووي : في الآية وجه آخر وهو المختار ، والمعنى لنسألنهم عن أعمالهم كلها التي يتعلق بها التكليف ؛ وقول من خص بلفظ التوحيد دعوى تخصيص بلا دليل فلا تقبل ثم روى حديث الترمذي وضعفه ، وقال بعضهم : لتخصيصهم ، وجه من جهة التعميم في قوله : أجمعين ، فيدخل فيه المسلم والكافر ، فإن الكافر مخاطب بالتوحيد بلا خلاف ، بخلاف باقي الأعمال ففيها الخلاف ، فمن قال إنهم مخاطبون يقول : إنهم مسؤولون عن الأعمال كلها . ومن قال : إنهم غير مخاطبين ، يقول : إنما يسألون عن التوحيد فقط ، فالسؤال عن التوحيد متفق عليه ، فحمل الآية عليه أولى بخلاف الحمل على جميع الأعمال لما فيها من الاختلاف . قلت : هذا القائل قصد بكلامه الرد على النووي ، ولكنه تاه في كلامه ، فإن النووي لم يقل بنفي التخصيص لعدم التعميم في الكلام ، وإنما قال : دعوى التخصيص بلا دليل خارجي لا تقبل ، والأمر كذلك غإن الكلام عام في السؤال عن التوحيد وغيره ثم دعوى التخصيص بالتوحيد يحتاج إلى دليل من خارج ، فإن استدلوا بالحديث المذكور فقد أجاب عنه بأنه ضعيف ، وهذا القائل فهم أيضا أن النزاع في أن التخصيص والتعميم هنا إنما هو من جهة التعميم هنا إنما هو من جهة التعميم في قوله : * ( أجمعين ) * ( الحجر : 92 ) وليس كذلك ، وإنما هو في قوله : * ( عما كانوا يعملون ) * ( الحجر : 92 ) فإن العمل هنا أعم من أن يكون توحيدا أو غيره ، وتخصيصه بالتوحيد تحكم قوله فيدخل فيه المسلم ، والكافر غير مسلم ، لأن الضمير في لنسألنهم ، يرجع إلى المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين ، وهم ناس مخصوصون . ولفظة أجمعين ، وقعت توكيدا للضمير المذكور في النسبة مع الشمول في أفراده المخصوصين ، ثم تفريع هذا القائل بقوله : فإن الكافر إلخ ليس له دخل في صورة النزاع على ما لا يخفى . الثالث : ما قيل : إن هذه الآية أثبتت السؤال على سبيل التوكيد القسمي ، وقال في آية أخرى * ( فيومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان ) * ( الرحمن : 39 ) فنفت السؤال . وأجيب : بأن في القيامة مواقف مختلفة وأزمنة متطاولة ، ففي موقف أو زمان يسألون وفي آخرلا يسألون سؤال استخبار بل سؤال توبيخ ، وقال الزمخشري : في هذه الآية : لنسألهم سؤال تقريع ، ويقال : قوله : * ( لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان ) * ( الرحمن : 39 ) نظير قوله : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ( الأنعام : 164 ، الإسراء : 15 ، فاطر : 18 ، والزمر : 7 ) . * ( وقالَ لِمثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ) * ( الصافات : 61 ) أي : قال الله تعالى لمثل هذا ، والإشارة بهذا إلى قوله * ( إن هذا لهو الفوز العظيم ) * ( الصافات : 60 ) وذكر هذه الآية لا يكون مطابقا للترجمة إلاَّ إذا كان معنى قوله : * ( فليعمل العاملون ) * ( الصافات : 61 ) فليؤمن المؤمنون ، ولكن هذا دعوى تخصيص بلا دليل فلا تقبل ، وإلى هذه الآية من قوله تعالى : * ( فاقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) * ( الصافات : 50 ) قصة المؤمن وقرينه ، وذلك أنه كان يتصدق بماله لوجه الله ، عز وجل ، فاحتاج ، فاستجدى بعض إخوانه ، فقال : وأين مالك ؟ قال : تصدقت به ليعوضني الله خيرا منه . فقال : أئنك لمن المصدقين بيوم الدين ، أو : من المتصدقين لطلب الثواب ، والله لا أعطيك شيئا . وقوله تعالى : * ( أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون ) * ( الصافات : 53 ) حكاية عن قول القرين ، ومعنى : لمدينون : لمجزيون من الدين ، وهو الجزاء . وقوله : * ( قال هل أنتم مطلعون ) * ( الصافات : 54 ) يعني : قال ذلك القائل : هل أنتم مطلعون إلى النار ؟ ويقال : القائل هو الله تعالى ، ويقال : بعض الملائكة يقول لأهل الجنة هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار ؟ وقوله : * ( فاطلع ) * ( الصافات : 54 ) أي : فإن اطلع . قوله : * ( في سواء الجحيم ) * ( الصافات : 55 ) أي : في وسطها . قوله : * ( تالله إن كدت ) * ( الصافات : 56 ) إن مخففة من الثقيلة ، وهي تدخل على : كاد كما تدخل على : كان ، واللام ، هي الفارقة بينها وبين النافية ، والإرداء : الإهلاك ، وأراد بالنعمة : العصمة والتوفيق والبراءة من قرين السوء ، وإنعام الله بالثواب ، وكونه من أهل الجنة . قوله : * ( من المحضرين ) * ( الصافات : 11 ) أي : من الذين أحضروا العذاب . وقوله : * ( إن هذا لهو الفوز العظيم ) * ( الصافات : 60 ) أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه ، ويقال : هذا من قول الله تعالى