العيني
160
عمدة القاري
وهو القلب ، والأول : كناية عن إلقاء البهتان من تلقاء أنفسهم ، والثاني : عن إنشاء البهتان من دخيلة قلوبهم مبنياً على الغش المبطن . وقال الخطابي : معناه : لا تبهتوا الناس بالمعايب كفاحاً مواجهة ، وهذا كما يقول الرجل : فعلت هذا بين يديك ، أي : بحضرتك . وقال التيمي : هذا غير صواب من حيث إن العرب ، وإن قالت : فعلته بين أيدي القوم ، أي : بحضرتهم لم تقل : فعلته بين أرجلهم ، ولم ينقل عنهم هذا البتة . وقال الكرماني : هو صواب ، إذ ليس المذكور الأرجل فقط ، بل المراد الأيدي ، وذكر الأرجل تأكيداً له وتابعاً لذلك ، فالمخطىء مخطىء ويقال : يحتمل أن يراد بما بين الأيدي والأرجل القلب ، لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه ، فلذلك نسب إليه الافتراء ، ، فإن المعنى : لا ترموا أحداً بكذب تزوِّرونه في أنفسكم ثم تبهتون صاحبكم بألسنتكم . وقال أبو محمد بن أبي جمرة : يحتمل أن يكون قوله : بين أيديكم ، أي : في الحال ، قوله : وأرجلكم أي : في المستقبل ، لأن السعي من أفعال الأرجل . وقال غيره : أصل هذا كان في بيعة النساء ، وكنى بذلك كما قال الهروي في ( الغريبين ) عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها ، ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولاً . قلت : وقد جاء في رواية لمسلم : ولا نقتل أولادنا ، ولا يعضه بعضنا بعضاً ، أي : لا يسخر . وقيل : لا يأتي ببهتان ، يقال : عضهت الرجل رميته بالعضيهة ؛ قال الجوهري : العضيهة البهيتة ، وهو الإفك والبهتان ، تقول يا للعضيهة . بكسر اللام ، وهي استغاثة ، وأصله من : عضهه عضهاً بالفتح ، وقال الكسائي : العضه الكذب ، وجمعها عضون ، مثل : عزة وعزون ، ويقال نقصانه الهاء وأصله عضهة . ومنها ما قيل : لم قيد قوله : ( ولا تعصوا ) ، بقوله : ( في معروف ) ؟ وأجيب : بأنه قيده بذلك تطييباً لنفوسهم ، لأنه عليه السلام ، لا يأمر إلاَّ بالمعروف . وقال النووي : يحتمل في معنى الحديث : ولما تعصوني ، ولا أجد عليكم أولى من اتباعي إذا أمرتكم بالمعروف ، فيكون التقييد بالمعروف عائداً إلى الاتباع ، ولهذا قال : لا تعصوا ولم يقل ولا تعصوني . قلت : في رواية الإسماعيلي ، في باب وفود الأنصار : ولا تعصوني ، فحينئذٍ الأحسن هو الجواب الأول . وقال الزمخشري : في آية المبايعات : فإن قلت : لو اقتصر على قوله : لا يعصينك ، فقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يأمر إلاَّ بالمعروف . قلت : نبه بذلك على أن طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بغاية التوقي والاجتناب . ومنها ما قيل : قد ذكر في الاعتقاديات والعمليات كلتيهما ، فلِمَ اكتفى في الاعتقاديات بالتوحيد ؟ وأجيب : بأنه هو الأصل والأساس . ومنها ما قيل : فلِمَ ما ذكر الإتيان بالواجبات واقتصر على ترك المنهيات ؟ وأجيب : بأنه لم يقتصر حيث قال : ولا تعصوا في معروف ، إذ العصيان مخالفة الأمر ، أو اقتصر لأن هذه المبايعة كانت في أوائل البعثة ولم تشرع الأفعال بعد . ومنها ما قيل : لِمَ قدم ترك المنهيات على فعل المأمورات ؟ وأجيب : بأن التخلي عن الرذائل مقدم على التحلي بالفضائل . ومنها ما قيل : فلِمَ ترك سائر المنهيات ولم يقل مثلاً * ( ولا تقربوا مال اليتيم ) * ( الأنعام : 152 ، والإسراء : 34 ) وغير ذلك ؟ وأجيب : بأنه لم يكن في ذلك الوقت حرام آخر ، أو اكتفى بالبعض ليقاس الباقي عليه ، أو لزيادة الاهتمام بالمذكورات . ومنها ما قيل : إن قوله : ( فأجره على الله ) يشعر بالوجوب على الله لكلمة : على وأجيب : بأن هذا وارد على سبيل التفخيم نحو قوله تعالى : * ( فقد وقع أجره على الله ) * ( النساء : 100 ) ويتعين حمله على غير ظاهره للأدلة القاطعة على أنه لا يجب على الله شيء . ومنها ما قيل : لفظ الأجر مشعر بأن الثواب إنما هو مستحق كما هو مذهب المعتزلة لا مجرد فضل كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، وأجيب : بأنه إنما أطلق الأجر لأنه مشابه للأجر ، صورة لترتبه عليه . 12 ( ( باب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ ) ) أي : هذا باب ، ولا يجوز فيه الإضافة . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن معنى الباب الأول متضمن معنى هذا الباب ، وذلك لأن النقباء من الأنصار ، والأنصار كلهم خيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلوا أرواحهم وأموالهم في محبته فراراً بدينهم من فتن الكفر والضلال ، وكذلك هذا الباب يبين فيه ترك المسلم الاختلاط بالناس ومعاشرتهم ، واختياره العزلة والانقطاع فراراً بدينه من فتن الناس والاختلاط بهم . فإن قلت : لِمَ لَمْ يقل : باب من الإيمان الفرار من الفتن ، كما ذكر هكذا في أكثر الأبواب الماضية والأبواب الآتية ، وأيضاً عقد الكتاب في الإيمان ؟ قلت : إنما قال ذلك ليطابق الترجمة الحديث الذي يذكره في