العيني

148

عمدة القاري

الطاعات ، وتحمل المشاق في الدين ، وإيثار ذلك على أعراض الدنيا ومحبة العبد الله تعالى بفعل طاعته وترك مخالفته ، وكذلك محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : تفسير التيمي : من الحلاوة التي بابها من حلى فلان بعيني حلاوة ، إذا حسن ، وتفسير النووي : من حلا الشيء يحلو حلواً وحلاوة ، وهو نقيض المر ، ولكل منهما وجه والأظهر الثاني على ما لا يخفى . قوله : ( يكره ) من : كرهت الشيء أكرهه كراهة وكراهية ، فهو شيء كريه ومكروه ، ومعناه : عدم الرضى . قوله : ( أن يقذف ) من القذف بمعنى : الرمي ، وقال الصغاني : التركيب يدل على الرمي والطرح ، والقذف بالحجارة : الرمي بها ، وقذف المحصنة قذفاً أي : رماها . ويقال : هم بين خاذف وقاذف ، فالخاذف بالحصى والقاذف بالحجارة . ( بيان الإعراب ) قوله : ( ثلاث ) مرفوع على أنه مبتدأ . فإن قلت : هو نكرة كيف يقع مبتدأ ؟ قلت : النكرة تقع مبتدأة بالمسوغ ، وههنا ثلاثة وجوه . الأول : أن يكون التنوين في ثلاث عوضاً عن المضاف إليه ، تقديره : ثلاث خصال ، فحينئذٍ يقرب من المعرفة . الثاني : أن يكون هذا صفة لموصوف محذوف تقديره : خصال ثلاث ، والموصوف هو المبتدأ في الحقيقة ، فلما حذف قامت الصفة مقامه . الثالث : يجوز أن يكون ثلاث موصوفاً بالجملة الشرطية التي بعده ، والخبر على هذا الوجه هو قوله : ( أن يكون ) ، وأن مصدرية ، والتقدير : كون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما . وعلى التقديرين الأولين الخبر هو الجملة الشرطية ، لأن قوله : من مبتدأ موصول يتضمن معنى الشرط ، وقوله : كن فيه ، جملة صلته . وقوله : وجد ، خبره . والجملة خبر المبتدأ الأول . فإن قلت : الجملة إذا وقعت خبراً فلا بد من ضمير فيها يعود إلى المبتدأ ، لأن الجملة مستقلة بذاتها فلا يربطها بما قبلها إلاَّ الضمير ، وليس ههنا ضمير يعود إليه ، والضمير في فيه يرجع إلى : من ، لا إلى ثلاث ؟ قلت : العائد ههنا محذوف تقديره : ثلاث من كن فيه منها وجد حلاوة الإيمان ، كما في قولك : البر الكربستين أي : منه ، وقال ابن يعيش في قوله تعالى : * ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) * ( الشورى : 43 ) إن من مبتدأ ، وصلته صبر ، وخبره : إن المكسورة مع ما بعدها ، والعائد محذوف تقديره : إن ذلك منه . فإن قلت : إذا جعلت الجملة خبراً ، فما يكون إعراب قوله : ( أن يكون الله ) ؟ قلت : يجوز فيه الوجهان : أحدهما : أن يكون بدلاً من ثلاث ، والآخر : أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، أي : أحد الذين فيهم الخصال الثلاث أن يكون الله . . . الخ . قوله : ( وجد ) بمعنى أصاب ، فلذلك اكتفى بمفعول واحد ، وهو قوله : ( حلاوة الإيمان ) . قوله : ( ورسوله ) : بالرفع عطف على لفظة : الله ، الذي هو اسم يكون ، قوله : ( أحب ) بالنصب لأنه خبر يكون . فإن قلت : كان ينبغي أن يثني : أحب ، حتى يطابق اسم كان ، وهو اثنان . قلت : أفعل التفضيل إذا استعمل : بمن ، فهو مفرد مذكر لا غير فلا يحتاج إلى المطابقة . فإن قلت : أفعل التفضيل مع : من ، كالمضاف والمضاف إليه ، فلا يجوز الفصل بينهما . قلت : أجيز ذلك بالظرف للاتساع . قوله : ( وأن يحب المرء ) عطف على أن يكون الله . قوله : ( يحب ) جملة من الفعل والفاعل ، وهو الضمير فيه الذي يرجع إلى : من وقوله : ( المرء ) بالنصب مفعوله . قوله : ( لا يحبه إلاَّ لله ) جملة وقعت حالاً بدون الواو ، وقد علم أن الفعل المضارع إذا وقع حالاً وكان منفياً يجوز فيه الواو وتركه ، نحو : جاءني زيد لا يركب ، أو : ولا يركب . قوله : ( وأن يكره ) عطف على : أن يحب ، قوله : ( أن يعود ) جملة في محل النصب على أنها مفعول لقوله : يكره ، وأن يكره : وأن مصدرية تقديره : وأن يكره العود . فإن قلت : المشهور أن يقال : عاد إليه ، معدى بإلى لا بفي . قلت : قال الكرماني : قد ضمن فيه معنى الاستقرار ، كأنه قال : أن يعود مستقراً فيه ، وهذا تعسف ، وإنما : في هذا بمعنى : إلى ، كما في قوله تعالى : * ( أو لتعودن في ملتنا ) * ( الأعراف : 288 ) أي : تصيرن إلى ملتنا . قوله : ( كما يكره ) : الكاف للتشبيه بمعنى : مثل ، و : ما ، مصدرية ، أي : مثل كرهه . قوله : ( أن يقذف ) في محل النصب ، لأنه مفعول : يكره ، وأن مصدرية أي : القذف ، وهو على صيغة المجهول . فافهم . ( بيان المعاني ) : قال النووي : هذا حديث عظيم ، أصل من أصول الإسلام ، قلت : كيف لا ، وفيه محبة الله ورسوله التي هي أصل الإيمان بل عينه ، ولا تصح محبة الله ورسوله حقيقة ، ولا حب لغير الله ولا كراهة الرجوع في الكفر إلاَّ لمن قوي الإيمان في نفسه وانشرح له صدره وخالطه دمه ولحمه ، وهذا هو الذي وجد حلاوته ، والحب في الله من ثمرات الحب لله . وقال ابن بطال : محبة العبد لخالقه التزام طاعته ، والانتهاء عما نهى عنه ، ومحبة الرسول كذلك ، وهي التزام