العيني

141

عمدة القاري

والآخر : عن مسدد عن يحيى عن حسين عن قتادة عن أنس . فقوله : عن حسين عطف على شعبة ، والتقدير : عن شعبة وحسين كلاهما عن قتادة ، وإنما لم يجمعهما لأن شيخه أفردهما ، فأورده البخاري معطوفاً اختصاراً ، ولأن شعبة قال : عن قتادة ، وقال حسين : حدثنا قتادة ، وقال بعض المتأخرين طريق حسين معلقة وهو غير صحيح ، فقد رواه أبو نعيم في ( المستخرج ) من طريق إبراهيم الحربي عن مسدد شيخ البخاري ، عن يحيى القطان ، عن حسين المعلم ، وقال الكرماني قوله : وعن حسين ، هو عطف ، إما على حدثنا مسدد ، فيكون تعليقاً ، والطريق بين حسين والبخاري غير طريق مسدد ، وإما على شعبة . فكأنه قال : حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن حسين ، وإما على قتادة ، فكأنه قال : عن شعبة عن حسين عن قتادة ، ولا يجوز عطفه على يحيى لأن مسدداً لم يسمع عن الحسين وروايته عنه إنما هو من باب التعليق ؛ وعلى التقدير الأول ذكره على سبيل المتابعة . قلت : هذا كله مبني على حكم العقل وليس كذلك ، وليس هو بعطف على مسدد ، ولا على قتادة ، وإنما هو عطف على شعبة كما ذكرنا ، والمتن الذي سيق ههنا هو لفظ شعبة ، وأما لفظ حسين فهو الذي رواه أبو نعيم في ( المستخرج ) عن إبراهيم الحربي عن مسدد عن يحيى القطان عن حسين المعلم عن قتادة عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ولجاره ) . فإن قيل : قتادة مدلس ولم يصرح بالسماع عن أنس في رواية شعبة ، قلت : قد صرح أحمد بن حنبل والنسائي في روايتهما بسماع قتادة له من أنس فانتفت تهمة تدليسه . ( بيان اختلاف الروايات فيه ) قوله : ( لا يؤمن حتى يحب ) في رواية المستملي : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب ) ، وفي رواية الأصيلي : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب ) . وقال الشيخ قطب الدين : قد سقط لفظ أحدكم في بعض نسخ البخاري ، وثبت في بعضها كما جاء في مسلم . قلت : وفي بعض نسخ البخاري : ( لا يؤمن يعني أحدكم حتى يحب ) وفي رواية ابن عساكر : ( لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ) ، وكذا في رواية لمسلم عن أبي خيثمة ، وفي رواية لمسلم : ( والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب ) . . . الحديث . قوله : ( حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) . هكذا هو عند البخاري ، ووقع في مسلم على الشك في قوله : ( لأخيه أو لجاره ) ، وكذا وقع في مسند عبد بن حميد على الشك ، وكذا في رواية للنسائي ، وفي رواية للنسائي : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير ) . وكذا للإسماعيلي من طريق روح عن حسين : ( حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير ) . وكذا في رواية ابن منده من رواية همام عن قتادة ، وفي رواية ابن حبان من رواية ابن أبي عدي عن حسين : ( لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب ) . إلى آخره . ( بيان من أخرجه غيره ) قد عرفت أن البخاري أخرجه هنا عن مسدد عن يحيى عن شعبة وعن حسين عن قتادة عن أنس ، وروى مسلم ، في الإيملن عن المثنى وابن بشار عن غندر عن شعبة وعن الزهري عن يحيى القطان عن حسين المعلم كلاهما عن قتادة عن أنس وأخرجه الترمذي والنسائي أيضاً . ( بيان اللغة والإعراب ) قد مر تفسير الإيمان فيما مضى ، وأما المحبة فقد قال النووي : أصلها الميل إلى ما يوافق المحب ، ثم الميل قد يكون بما يستلذه بحواسه بحسن الصورة وبما يستلذه بعقله ، كمحبة الفضل والجمال ، وقد يكون لإحسانه إليه ودفعه المضار عنه . وقال بعضهم : المراد بالميل هنا الاختياري دون الطبع والقسري ، والمراد أيضاً بأن يحب الخ . أن يحصل لأخيه نظير ما يحصل له لا عينه ، سواء كان ذلك في الأمور المحسوسة أو المعنوية ، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له مع سلبه عنه ولا مع بقائه بعينه له ، إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال . قلت : قوله : والمراد أيضاً بأن يحب إلى آخره ليس تفسير المحبة ، وإنما المحبة مطالعة المنة من رؤية إحسان أخيه وبره وأياديه ونعمه المتقدمة التي ابتدأ بها من غير عمل استحقها به ، وستره على معايبه ، وهذه محبة العوام ، قد تتغير بتغير الإحسان ، فإن زاد الإحسان زاد الحب وإن نقصه نقصه ، وأما محبة الخواص فهي تنشأ من مطالعة شواهد الكمال لأجل الإعظام والإجلال ومراعاة حق أخيه المسلم ، فهذه لا تتغير لأنها لله تعالى لا لأجل غرض دنيوي . ويقال : المحبة ههنا هي مجرد تمني الخير لأخيه المسلم ، فلا يعسر ذلك إلاَّ على القلب السقيم غير المستقيم . وقال القاضي عياض : المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : ( حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) أن يحب لأخيه من الطاعات والمباحات ، وظاهره يقتضي التسوية وحقيقته التفضيل . لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل الناس ، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل هو من جملة المفضولين ، وكذلك الإنسان يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته ، فإذا كانت لأخيه عنده مظلمة