العيني
127
عمدة القاري
( بيان المعاني والبيان ) : لا شك أن تعريف المسند إليه إنما يقصد إلى تعريفه لإتمام فائدة السامع ، لأن فائدته من الخبر إما الحكم أو لازمه ، كما بين في موضعه وفيه الفصل بين الجملتين بالواو ، لأنه قصد التشريك وتعيين الواو لدلالتها على الجمع ، وفيه تشبيه الإيمان بشجرة ذات أغصان ، وشعب ، كما شبه في الحديث السابق الإسلام بخباء ذات أعمدة وأطناب ، ومبناه على المجاز ، وذلك لأن الإيمان في اللغة التصديق ، وفي عرف الشرع : تصديق القلب واللسان ، وتمامه وكماله بالطاعات ، فحينئذٍ الإخبار عن الإيمان بأنه بضع وستون شعبة ، أو بضع وسبعون ، ونحو ذلك يكون من باب إطلاق الأصل على الفرع ، وذلك لأن الإيمان هو الأصل ، والأعمال فروع منه . وإطلاق الإيمان على الأعمال مجاز ، لأنها تكون عن الإيمان ، وقد اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بإيمانه ، وأنه من أهل القبلة ، ولا يخلد في النار ، هو الذي يعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ، ونطق بالشهادتين ، فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة إلاَّ إذا عجز عن النطق ، فإنه يكون مؤمناً إلاّ ما حكاه القاضي عياض في ( كتاب الشفاء ) في أن : من اعتقد دين الإسلام بقلبه ، ولم ينطق بالشهادتين من غير عذر منعه من القول ، إن ذلك نافعه في الدار الآخرة ، على قول ضعيف . وقد يكون فائزاً ، لكنه غير المشهور ، والله أعلم . ( بيان استنباط الفوائد ) وهو على وجوه . الأول : في تعيين الستين على ما جاء ههنا ، وفي تعيين السبعين على ما جاء في رواية أخرى من ( الصحيح ) ، ورواية أصحاب السنن ، أما الحكمة في تعيين الستين وتخصيصها ، فهي : أن العدد إما زائد : وهو ما أجزاؤه أكثر منه ، كالاثني عشر ، فإن لها : نصفاً وثلثاً وربعاً وسدساً ونصف سدس ، ومجموع هذه الأجزاء أكثر من اثني عشر ، فإنه ستة عشر ، وإما ناقص : وهو ما أجزاؤه أقل منه ، كالأربعة فإن لها : الربع والنصف فقط ، وإما تام : وهو ما أجزاؤه مثله كالستة ، فإن أجزاءها : النصف والثلث والسدس ، وهي مساوية للستة ، والفضل من بين الأنواع الثلاثة للتام ، فلما أريد المبالغة فيه جعلت آحادها أعشاراً ، وهي : الستون . وأما الحكمة في تعيين السبعين فهي : أن السبعة تشتمل على جملة أقسام العدد ، فإنه ينقسم إلى : فرد وزوج ، وكل منهما إلى : أول ومركب ، والفرد الأول : ثلاثة ، والمركب : خمسة ، والزوج الأول : اثنان ، والمركب : أربعة ، وينقسم أيضاً إلى منطق كالأربعة ، وأصم كالستة ، فلما أريد المبالغة فيه جعلت آحادها أعشاراً . وهي : السبعون . وأما زيادة البضع على النوعين فقد علم أنه يطلق على الست وعلى السبع ، لأنه ما بين اثنين إلى عشرة ، وما فوقها كما نص عليه صاحب ( الموعب ) ففي الأول الستة أصل للستين وفي الثاني ، السبعة أصل للسبعين ، كما ذكرناه ، فهذا وجه تعيين أحد هذين العددين . الثاني : أن المراد من هذين العددين : هل هو حقيقة أم ذكرا على سبيل المبالغة ؟ فقال بعضهم : أريد به التكثير دون التعديد ، كما في قوله تعالى : * ( إن تستغفر لهم سبعين مرة ) * ( التوبة : 80 ) وقال الطيبي : الأظهر معنى التكثير ، ويكون ذكر البضع للترقي ، يعني أن شعب الأيمان أعداد مبهمة ولا نهاية لكثرتها ، إذ لو أريد التحديد لم يبهم . وقال بعضهم : العرب تستعمل السبعين كثيراً في باب المبالغة ، وزيادة السبع عليها التي عبر عنها بالبضع لأجل أن السبعة أكمل الأعداد ، لأن الستة أول عدد تام ، وهي مع الواحد سبعة ، فكانت كاملة ، إذ ليس بعد التمام سوى الكمال . وسمي الأسد : سَبُعاً لكمال قوته ، والسبعون غاية الغاية إذ الآحاد غايتها العشرات . فإن قلت : قد قلت : إن البضع لما بين اثنين إلى عشرة وما فوقها ، فمن أين تقول : إن المراد من البضع السبع حتى بنى القائل المذكور كلامه على هذا ؟ قلت : قد نص صاحب ( العين ) على : أن البضع سبعة ، كما ذكرنا ، وقال بعضهم : هذا القدر المذكور هو شعب الإيمان ، والمراد منه تعداد الخصال حقيقة . فإن قلت : إذا كان المراد بيان تعداد الخصال ، فما الاختلاف المذكور ؟ قلت : يجوز أن يكون شعب الإيمان بضعاً وستين وقت تنصيصه على هذا المقدار ، فذكره لبيان الواقع ، ثم بعد ذلك نص على بضع وسبعين ، بحسب تعدد العشرة على ذلك المقدار ، فافهم ، فإنه موضع فيه دقة . الثالث : في بيان العدد المذكور قال الإمام أبو حاتم بن حبان بكسر الحاء وتشديد الموحدة ، البستي ، في كتاب ( وصف الإيمان وشعبه ) تتبعت معنى هذا الحديث مدة ، وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئاً كثيراً ، فرجعت إلى السنن ، فعددت كل طاعة عددها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من الإيمان ، فإذا هي تنقص على البضع والسبعين ، فرجعت إلى كتاب الله تعالى ، فعددت كل طاعة عدها الله من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين ، فضممت إلى الكتاب السنن ، وأسقطت العاد ، فإذا كل شيء عده الله ورسوله عليه السلام ، من الإيمان بضع وسبعون ، لا يزيد عليها ولا ينقص .