عبد الرحمن بن ناصر السعدي
766
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
واجتناب نواهيه . لأن نعيمها تام كامل من كل وجه ، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وهم فيها خالدون . فما أشد الفرق بين الدارين * ( ومن يعش عن ذكر الرحم ن نقيض له شيطانا فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون * حتى إذا جآءنا قال يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين * ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ) * يخبر تعالى عن عقوبته البليغة ، لمن أعرض عن ذكره فقال : * ( ومن يعش ) * أي : يعرض ويصد * ( عن ذكر الرحمن ) * الذي هو القرآن العظيم ، الذي هو أعظم رحمة رحم بها الرحمن عباده . فمن قبلها ، فقد قبل خير المواهب ، وفاز بأعظم المطالب والرغائب . ومن أعرض عنها وردها ، فقد خاب وخسر خسارة ، لا يسعد بعدها أبدا ، وقيض له الرحمن شيطانا مريدا ، يقارنه ، ويصاحبه ، ويعده ، ويمنيه ، ويؤزه إلى المعاصي أزا . * ( وإنهم ليصدونهم عن السبيل ) * أي : الصراط المستقيم ، والدين القويم . * ( ويحسبون أنهم مهتدون ) * بسبب تزيين الشيطان للباطل ، وتحسينه له ، وإعراضهم عن الحق ، فاجتمع هذا وهذا . فإن قيل : فهل لهذا من عذر ، من حيث إنه ظن أنه مهتد ، وليس كذلك ؟ قيل : لا عذر لهذا وأمثاله ، الذين مصدر جهلهم ، الإعراض عن ذكر الله ، مع تمكنهم من الاهتداء . فزهدوا في الهدى ، مع القدرة عليه ، ورغبوا في الباطل ، فالذنب ذنبهم ، والجرم جرمهم . فهذه حالة هذا المعرض عن ذكر الله في الدنيا ، مع قرينه ، وهي الضلال والغي ، وانقلاب الحقائق . وأما حاله ، إذا جاء ربه في الآخرة ، فهو شر الأحوال ، وهو : الندم والتحسر ، والحزن الذي لا يجبر مصابه ، والتبري من قرينه ، ولهذا قال تعالى : * ( حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ) * . كما في قوله تعالى : * ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ) * . وقوله تعالى : * ( ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ) * أي : ولا ينفعكم يوم القيامة ، اشتراككم في العذاب ، أنتم وقرناؤكم ، وأخلاؤكم . وذلك لأنكم اشتركتم في الظلم ، فاشتركتم في عقابه وعذابه . ولن ينفعكم أيضا ، روح التسلي في المصيبة فإن المصيبة إذا وقعت في الدنيا ، واشترك فيها المعاقبون ، هان عليهم بعض الهون ، وتسلى بعضهم ببعض . وأما مصيبة الآخرة ، فإنها جمعت كل عقاب ، ما فيه أدنى راحة ، حتى ولا هذه الراحة . نسألك يا ربنا العافية ، وأن تريحنا برحمتك . * ( أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين * فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون * فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون * واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون الرحم ن آلهة يعبدون ) * يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ، مسليا له عن امتناع المكذبين عن الاستجابة له ، وأنهم لا خير فيهم ، ولا فيهم زكاء يدعوهم إلى الهدى : * ( أفأنت تسمع الصم ) * أي : الذين لا يسمعون * ( أو تهدي العمي ) * الذين لا يبصرون . * ( و ) * تهدي * ( من كان في ضلال مبين ) * أي : بين واضح ، لعلمه بضلاله ، ورضاه به . فكما أن الأصم لا يسمع الأصوات ، والأعمى لا يبصر ، والضال ضلالا مبينا لا يهتدي . فهؤلاء قد فسدت فطرهم وعقولهم ، بإعراضهم عن الذكر ، واستحدثوا عقائد فاسدة ، وصفات خبيثة ، تمنعهم وتحول بينهم وبين الهدى ، وتوجب لهم الازدياد من الردى . فهؤلاء لم يبق إلا عذابهم ونكالهم ، إما في الدنيا ، أو في الأخرة ، ولهذا قال تعالى : * ( فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ) * أي : فإن ذهبنا بك قبل أن نريك ما نعدهم من العذاب ، فاعلم بخبرنا الصادق ، أنا منهم منتقمون . * ( أو نرينك الذي وعدناهم ) * من العذاب * ( فإنا عليهم مقتدرون ) * ولكن ذلك متوقف على اقتضاء الحكمة لتعجيله أو تأخيره . فهذه حالك ، وحال هؤلاء المكذبين . وأما أنت * ( فاستمسك بالذي أوحي إليك ) * فعلا واتصافا ، بما يأمر بالاتصاف به ودعوة إليه ، وحرصا على تنفيذه بنفسك وفي غيرك . * ( إنك على صراط مستقيم ) * موصل إلى الله وإلى دار كرامته . وهذا مما يوجب عليك زيادة التمسك به والاهتداء . إذا علمت أنه حق ، وعدل ، وصدق ، تكون بانيا على أصل أصيل ، إذا بنى غيرك على الشوك والأوهام ، والظلم والجور . * ( وإنه ) * أي : هذا القرآن الكريم * ( لذكر لك ولقومك ) * أي : فخر لكم ، ومنقبة جليلة ، ونعمة لا يقادر قدرها ، ولا يعرف وصفها ، ويذكركم أيضا ما فيه من الخير الدنيوي والأخروي ، ويحثكم