عبد الرحمن بن ناصر السعدي
760
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
لأنه نعيم لا مغص فيه ولا كدر ، ولا انتقال . ثم ذكر لمن هذا الثواب فقال : * ( للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) * أي : جمعوا بين الإيمان الصحيح ، المستلزم لأعمال الإيمان الظاهرة والباطنة وبين التوكل ، الذي هو الآلة لكل عمل . فكل عمل لا يصحبه التوكل ، فغير تام ، وهو ( أي : التوكل ) الاعتماد بالقلب على الله . في جلب ما يحبه العبد ، ودفع ما يكرهه مع الثقة به تعالى . * ( والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ) * والفرق بين الكبائر والفواحش مع أن جميعهما كبائر أن الفواحش هي : الذنوب الكبار التي في النفوس داع إليها ، كالزنا ونحوه ، والكبائر ، ما ليس كذلك ، هذا عند الاقتران . وأما مع إفراد كل منهما عن الآخر يدخل فيه . * ( وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) * أي : قد تخلقوا بمكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم ، فصار الحلم لهم سجية ، وحسن الخلق لهم ، طبيعة . حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله ، أو فعاله ، كظموا ذلك الغضب ، فلم ينفذوه ، بل غفروه ، ولم يقابلوا المسئ إلا بالإحسان والعفو والصفح . فترتب على هذا العفو والصفح ، من المصالح ، ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم ، شيء كثير ، كما قال تعالى : * ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) * . * ( والذين استجابوا لربهم ) * أي : انقادوا لطاعته ، ولبوا دعوته ، وصار قصدهم رضوانه ، وغايتهم الفوز بقربه . ومن الاستجابة لله ، إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة . فلذلك عطفها على ذلك ، من باب عطف العام على الخاص ، الدال على شرفه وفضله فقال : * ( وأقاموا الصلاة ) * أي : ظاهرها وباطنها ، فرضها ونفلها . * ( ومما رزقناهم ينفقون ) * من النفقات الواجبة ، كالزكاة ، والنفقة على الأقارب ونحوهم ، والمستحبة ، كالصدقات على عموم الخلق . * ( وأمرهم ) * الديني والدنيوي * ( شورى بينهم ) * أي : لا يستبد أحد منهم برأيه ، في أمر من الأمور المشتركة بينهم ، وهذا لا يكون إلا فرعا عن اجتماعهم ، وتوالفهم ، وتواددهم ، وتحاببهم . فمن كمال عقولهم ، أنهم إذا أرادوا أمرا من الأمور ، التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها ، اجتمعوا لها ، وتشاوروا ، وبحثوا فيها ، حتى إذا تبينت لهم المصلحة ، انتهزوها وبادروها . وذلك كالرأي في الغزو ، والجهاد ، وتولية الموظفين لإمارة ، أو قضاء ، أو غيرهما . وكالبحث في المسائل الدينية عموما ، فإنها من الأمور المشتركة ، والبحث فيها لبيان الصواب مما يحبه الله ، وهو داخل في هذه الآية . * ( والذين إذا أصابهم البغي ) * أي : وصل إليهم من أعدائهم * ( هم ينتصرون ) * لقوتهم وعزتهم ، ولم يكونوا أذلاء عاجزين عن الانتصار . فوصفهم بالإيمان ، والتوكل على الله ، واجتناب الكبائر والفواحش الذي تكفر به الصغائر ، والانقياد التام ، والاستجابة لربهم ، وإقامة الصلاة ، والإنفاق في وجوه الإحسان ، والمشاورة في أمورهم ، والقوة والانتصار على أعدائهم . فهذه خصال الكمال قد جمعوها ، ويلزم من قيامها فيهم ، فعل ما هو دونها ، وانتفاء ضدها . * ( وجزآء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين * ولمن انتصر بعد ظلمه فأول ئك ما عليهم من سبيل * إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أول ئك لهم عذاب أليم * ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) * ذكر الله في هذه الآيات ، مراتب العقوبات ، وأنها على ثلاث مراتب : عدل ، وفضل ، وظلم . فمرتبة العدل : جزاء السيئة بسيئة مثلها ، لا زيادة ولا نقص . فالنفس بالنفس ، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها ، والمال يضمن بمثله . ومرتبة الفضل : العفو والإصلاح عن المسئ ، ولهذا قال : * ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) * يجزيه أجرا عظيما ، وثوابا كثيرا . وشرط الله في العفو الإصلاح فيه ، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق بالعفو عنه ، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته ، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورا به . وفي جعل أجر العافي على الله ، ما يهيج على العفو ، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به . فكما يحب أن يعفو الله عنه ، فليعف عنهم ، وكما يحب أن يسامحه الله ، فليسامحهم ، فإن الجزاء من جنس العمل . وأما مرتبة الظلم : فقد ذكرها بقوله : * ( إنه لا يحب الظالمين ) * الذين يجنون على غيرهم ابتداء ، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته ، فالزيادة ظلم . * ( ولمن انتصر بعد ظلمه ) * أي : انتصر ممن ظلمه بعد وقوع الظلم عليه * ( فأولئك ما عليهم من سبيل ) * أي : لا حرج عليهم في ذلك . ودل قوله : * ( والذين إذا أصابهم البغي ) * وقوله : * ( ولمن انتصر من بعد ظلمه ) * أنه لا بد من إصابة البغي والظلم ووقوعه . وأما إرادة البغي على الغير ، وإرادة