عبد الرحمن بن ناصر السعدي
734
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
المحض قبل إيجادهم ، ثم أماتهم بعدما أوجدهم . * ( وأحييتنا اثنتين ) * الحياة الدنيا ، والحياة الأخرى . * ( فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ) * أي : تحسروا وقالوا ذلك ، فلم يفد ولم ينجع ، ووبخوا على عدم فعل أسباب النجاة ، فقيل لهم : * ( ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده ) * أي : دعي لتوحيده ، وإخلاص العمل له ، ونهي عن الشرك به * ( كفرتم ) * به ، واشمأزت لذلك قلوبكم ، ونفرتم غاية النفور . * ( وإن يشرك به تؤمنوا ) * أي : هذا الذي أنزلكم هذا المنزل ، وبوأكم هذا المقيل والمحل ، أنكم تكفرون بالإيمان ، وتؤمنون بالكفر . ترضون بما هو شر وفساد في الدنيا والآخرة ، وتكرهون ما هو خير وصلاح ، في الدنيا والآخرة . تؤثرون سبب الشقاوة ، والذل ، والغضب ، وتزهدون بما هو سبب الفوز والفلاح والظفر * ( وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ) * . * ( فالحكم لله العلي الكبير ) * العلي : الذي له العلو المطلق ، من جميع الوجوه ، علو الذات ، وعلو القدر ، وعلو القهر . ومن علو قدره ، كمال عدله تعالى ، وأنه يضع الأشياء مواضعها ، ولا يساوي بين المتقين والفجار . * ( الكبير ) * الذي له الكبرياء والعظمة والمجد ، في أسمائه ، وصفاته ، وأفعال ، المتنزه عن كل آفة ، وعيب ، ونقص . فإذا كان الحكم له تعالى ، وقد حكم عليكم بالخلود الدائم ، فحكمه لا يغير ولا يبدل . * ( هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب * فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون * رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق * يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار * اليوم تجزى كل نفس بما ك سبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب ) * يذكر تعالى نعمه العظيمة ، على عباده ، بتبيين الحق من الباطل ، بما يري عباده من آياته النفسية ، والآفاقية ، والقرآنية ، الدالة على كل مطلوب مقصود ، الموضحة للهدى من الضلال ، بحيث لا يبقى عند الناظر فيها ، والمتأمل لها ، أدنى شك في معرفة الحقائق . وهذا من أكبر نعمه على عباده ، حيث لم يبق الحق مشتبها ، ولا الصواب ملتبسا . بل نوع الدلالات ، ووضح الآيات ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة . وكلما كانت المسائل أجل وأكبر ، كانت الدلائل عليها أكثر وأيسر . فانظر إلى التوحيد ، لما كانت مسألته من أكبر المسائل ، بل أكبرها ، كثرت الأدلة عليها العقلية والنقلية ، وتنوعت ، وضرب الله لها الأمثال ، وأكثر لها من الاستدلال . ولهذا ذكرها في هذا الموضع ، ونبه على جملة من أدلتها ، فقال : * ( فادعوا الله مخلصين له الدين ) * . ولما ذكر أنه يري عباده آياته ، نبه على آية عظيمة فقال : * ( وينزل عليكم من السماء رزقا ) * أي : مطرا ، به ترزقون وتعيشون أنتم وبهائمكم ، وذلك يدل على أن النعم كلها منه . فمنه نعم الدين ، وهي المسائل الدينية ، والأدلة عليها ، وما يتبع ذلك ، من العمل بها . والنعم الدنيوية كلها ، كالنعم الناشئة عن الغيث ، الذي تحيا به البلاد والعباد . وهذا يدل دلالة قاطعة ، أنه وحده هو المعبود ، الذي يتعين إخلاص الدين له ، كما أنه وحده المنعم . * ( وما يتذكر ) * بالآيات ، حين يذكر بها * ( إلا من ينيب ) * إلى الله تعالى ، بالإقبال على محبته ، وخشيته ، وطاعته ، والتضرع إليه . فهذا الذي ينتفع بالآيات ، وتصير رحمة في حقه ، ويزداد بها بصيرة . ولما كانت الآيات ، تثمر التذكر ، والتذكر يوجب الإخلاص لله ، رتب الأمر على ذلك بالفاء الدالة على السببية فقال : * ( فادعوا الله مخلصين له الدين ) * . وهذا شامل لدعاء العبادة ، ودعاء المسألة . والإخلاص ، معناه : تخليص القصد لله تعالى ، في جميع العبادات ، الواجبة والمستحبة ، حقوق الله ، وحقوق عباده . أي : أخلصوا لله تعالى ، في كل ما تدينونه به ، وتتقربون به إليه . * ( ولو كره الكافرون ) * لذلك ، فلا تبالوا بهم ، ولا يثنكم ذلك عن دينكم ، ولا تأخذكم بالله لومة لائم ، فإن الكافرين ، يكرهون الإخلاص لله وحده ، غاية الكراهة كما قال تعالى : * ( وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون ) * . ثم ذكر من جلاله وكماله ، ما يقتضي إخلاص العبادة له فقال : * ( رفيع الدرجات ذو العرش ) * أي : العلي الأعلى ، الذي استوى على العرش ، واختص به ، وارتفعت درجاته ارتفاعا باين به مخلوقاته ، وارتفع به قدره ، وجلت أوصافه ، وتعالت ذاته ، أن يتقرب إليه إلا بالعمل الزكي الطاهر المطهر وهو الإخلاص ، الذي يرفع درجات أصحابه ، ويقربهم إليه ، ويجعلهم فوق خلقه . ثم ذكر نعمته على عباده بالرسالة والوحي فقال : * ( يلقي الروح ) * أي : الوحي الذي للأرواح والقلوب بمنزلة الأرواح للأجساد . فكما أن الجسد بدون الروح لا يحيا ولا يعيش ، فالروح والقلب ، بدون روح الوحي ، لا يصلح ولا يفلح ، فهو تعالى * ( يلقي الروح من أمره ) * الذي فيه