عبد الرحمن بن ناصر السعدي

730

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

والقمر يخسف ، والنجوم تنتشر ، ويكون الناس في ظلمة ، فتشرق الأرض عند ذلك بنور ربها ، عندما يتجلى وينزل للفصل بينهم . وفي ذلك اليوم يجعل الله للخلق قوة . وينشئهم نشأة ، يقوون على أن لا يحرقهم نوره ، ويتمكنون أيضا من رؤيته ، وإلا ، فنوره تعالى عظيم ، لو كشفه ، لأحرقت سبحات وجهه ، ما انتهى إليه بصره من خلقه . * ( ووضع الكتاب ) * أي : كتاب الأعمال وديوانه ، وضع ونشر ، ليقرأ ما فيه من الحسنات والسيئات ، كما قال تعالى : * ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) * . ويقال للعامل من تمام العدل والإنصاف : * ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) * . * ( وجئ بالنبيين ) * ليسألوا عن التبليغ ، وعن أممهم ، ويشهدوا عليهم . * ( والشهداء ) * من الملائكة ، وأعضاء الإنسان والأرض . * ( وقضي بينهم بالحق ) * أي : العدل التام والقسط العظيم ؛ لأنه حساب صادر ممن لا يظلم مثقال ذرة ، ومن هو محيط بكل شيء . وكتابه الذي هو اللوح المحفوظ ، محيط بكل ما عملوه . والحفظة الكرام ، والذين لا يعصون ربهم ، قد كتبت عليهم ما عملوه . وأعدل الشهداء ، قد شهدوا على ذلك الحكم . فحكم بذلك من يعلم مقادير الأعمال ومقادير استحقاقها للثواب والعقاب . فيحصل حكم يقر به الخلق ، ويعترفون لله بالحمد والعدل ، ويعرفون به من عظمته ، وعلمه ، وحكمته ورحمته ، ما لم يخطر بقلوبهم ، ولا تعبر عنه ألسنتهم ، ولهذا قال : * ( ووفيت كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ) * . * ( وسيق الذين ك فروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جآءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتهآ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لق آء يومكم ه ذا قالوا بلى ول كن حقت كلمة العذاب على الكافرين * قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتك برين * وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليك م طبتم فادخلوها خالدين * وق الوا ألح مد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء فنعم أجر العاملين * وترى الملائكة حآفين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ) * لما ذكر تعالى حكمه بين عباده ، الذين جمعهم في خلقه ، ورزقه ، وتدبيره ، واجتماعهم في الدنيا ، واجتماعهم في موقف القيامة ، فرقهم تعالى عند جزائهم ، كما افترقوا في الدنيا بالإيمان والكفر ، والتقوى والفجور ، فقال : * ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم ) * أي : سوقا عنيفا ، يضربون بالسياط الموجعة ، من الزبانية الغلاظ الشداد ، إلى شر محبس ، وأفظع موضع ، وهي : جهنم التي قد جمعت كل عذاب ، وحضرها كل شقاء ، وزال عنها كل سرور ، كما قال تعالى : * ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ) * أي : يدفعون إليها دفعا ، وذلك لامتناعهم من دخولها . ويساقون إليها * ( زمرا ) * أي : فرقا متفرقة ، كل زمرة مع الزمرة التي تناسب عملها ، وتشاكل سعيها ، يلعن بعضهم بعضا ، ويبرأ بعضهم من بعض ، * ( حتى إذا جاؤوها ) * أي : وصلوا إلى ساحتها * ( فتحت ) * لهم أي : لأجلهم * ( أبوابها ) * لقدومهم وقرى لنزولهم . * ( وقال لهم خزنتها ) * مهنئين لهم بالشقاء الأبدي ، والعذاب السرمدي ، وموبخين لهم على الأعمال ، التي أوصلتهم إلى هذا المحل الفظيع : * ( ألم يأتكم رسل منكم ) * أي : من جنسكم تعرفونهم وتعرفون صدقهم ، وتتمكنون من التلقي عنهم ؟ * ( يتلون عليكم آيات ربكم ) * التي أرسلهم الله بها ، الدالة على الحق اليقين بأوضح البراهين . * ( وينذرونكم لقاء يومكم هذا ) * أي : وهذا يوجب عليكم اتباعهم والحذر من عذاب هذا اليوم ، باستعمال تقواه ، وقد كانت حالكم بخلاف هذه الحال ؟ * ( قالوا ) * مقرين بذنبهم ، وأن حجة الله قامت عليهم : * ( بلي ) * قد جاءتنا رسل ربنا ، بآياته وبيناته ، وبينوا لنا غاية التبيين وحذرونا من هذا اليوم . * ( ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ) * أي : بسب كفرهم ، وجبت عليهم كلمة العذاب ، التي هي لكل من كفر بآيات الله ، وجحد ما جاء به المرسلون ، فاعترفوا بذنبهم وقيام الحجة عليهم . * ( قيل ) * لهم على وجه الإهانة والإذلال * ( ادخلوا أبواب جهنم ) * كل طائفة تدخل من الباب الذي يناسبها ، ويوافق عملها . * ( خالدين فيها ) * أبدا ، لا يظعنون عنها ، ولا يفتر عنهم العذاب ساعة ، ولا ينظرون . * ( فبئس مثوى المتكبرين ) * أي : بئس المقر ، النار مقرهم ، وذلك لأنهم تكبروا على الحق ، فجازاهم الله من جنس عملهم ، بالإهانة ، والذل ، والخزي . ثم قال عن أهل الجنة : * ( وسيق الذين اتقوا ربهم ) * بتوحيده ، والعمل بطاعته ، سوق إكرام وإعزاز ، يحشرون وفدا على النجائب . * ( إلى لجنة زمرا ) * فرحين مستبشرين ، كل زمرة مع الزمرة ، التي تناسب عملها ، وتشاكله . * ( حتى إذا جاؤوها ) * أي : وصلوا لتلك الرحاب الرحيبة ، والمنازل الأنيقة ، وهب عليهم ريحها ونسيمها ، وآن خلودها ونعيمها . * ( وفتحت ) * لهم * ( أبوابها ) * فتح إكرام ، لكرام الخلق ، ليكرموا فيها . * ( وقال لهم خزنتها ) * تهنئة لهم وترحيبا : * ( سلام عليكم ) * أي : سلام عليكم من كل آفة وشر حال . * ( طبتم ) * أي : طابت قلوبكم بمعرفة الله ومحبته ، وخشيته ، وألسنتكم بذكره ، وجوارحكم بطاعته . * ( ف ) * بسبب طيبكم * ( ادخلوها خالدين ) *