عبد الرحمن بن ناصر السعدي

726

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

من كان مات ، أو قضى أن يموت في منامه . * ( ويرسل ) * النفس * ( الأخرى إلى أجل مسمى ) * أي : إلى استكمال زرقها وأجلها . * ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) * على كمال اقتداره ، وإحيائه الموتى بعد موتهم . وفي هذه الآية ، دليل على أن الروح والنفس ، جسم قائم بنفسه ، مخالف جوهره ، جوهر البدن . وأنها مخلوقة مدبرة ، يتصرف الله فيها ، بالوفاة ، والإمساك ، والإرسال . وأن أرواح الأحياء ، تتلاقى في البرزخ ، فتجتمع ، فتتحادث . فيرسل الله أرواح الأحياء ، ويمسك أرواح الأموات . * ( أم اتخذوا من دون الله شفعآء قل أولو ك انوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون ) * ينكر تعالى ، على من اتخذ من دونه شفعاء ، يتعلق بهم ، ويسألهم ويعبدهم . * ( قل ) * لهم مبينا جهلهم ، وأنها لا تستحق شيئا من العبادة : * ( أولو كانوا ) * أي : من اتخذتم من الشفعاء * ( لا يملكون شيئا ) * أي : لا مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر . بل * ( ولا يعقلون ) * أي : وليس لهم عقل ، يستحقون أن يمدحوا به ، لأنها جمادات ، من أحجار ، وأشجار ، وصور ، وأموات . فهل يقال : إن لمن اتخذها عقلا ؟ أم هو من أضل الناس وأجهلهم ، وأعظمهم ظلما ؟ * ( قل ) * لهم : * ( لله الشفاعة جميعا ) * لأن الأمر كله لله . وكل شفيع ، فهو يخافه ، ولا يقدر أن يشفع عنده أحد إلا بإذنه . فإذا أراد رحمة عبده ، أذن للشفيع الكريم عنده ، أن يشفع ، رحمة بالاثنين . ثم قرر أن الشفاعة كلها له بقوله : * ( له ملك السماوات والأرض ) * أي : جميع ما فيها من الذوات ، والأفعال ، والصفات . فالواجب أن تطلب الشفاعة ممن يملكها ، وتخلص له العبادة . * ( ثم إليه ترجعون ) * فيجازي المخلص له بالثواب الجزيل ، ومن أشرك به ، بالعذاب الوبيل . * ( وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون * قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون ) * يذكر تعالى حالة المشركين ، وما اقتضاه شركهم * ( و ) * أنهم * ( إذا ذكر الله وحده ) * توحيدا له ، وعملا بإخلاص الدين له ، وترك ما يعبدون من دونه ، يشمئزون ، وينفرون ، ويكرهون ذلك أشد الكراهة . * ( وإذا ذكر الذين من دونه ) * من الأصنام والأنداد ، ودعا الداعي إلى عبادتها ومدحها * ( إذا هم يستبشرون ) * بذلك ، فرحا بذكر معبوداتهم ، ولكون الشرك موافقا لأهوائهم ، وهذه الحال شر الحالات وأشنعها ، ولكن موعدهم يوم الجزاء . فهناك يؤخذ الحق منهم ، وينظر : هل تنفعهم آلهتهم ، التي كانوا يدعون من دون الله شيئا ؟ ولهذا قال : * ( قل اللهم فاطر السماوات والأرض ) * أي : خالقهما ومدبرهما . * ( عالم الغيب ) * الذي غاب عن أبصارنا وعلمنا * ( والشهادة ) * الذي نشاهده . * ( أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ) * وإن من أعظم الاختلاف ، اختلاف الموحدين المخلصين ، القائلين : إن ما هم عليه هو الحق ، وإن لهم الحسنى في الآخرة دون غيرهم ، والمشركين الذين اتخذوا من دونك الأنداد والأوثان ، وسووا بك من لا يسوى شيئا ، وتنقصوك غاية التنقص ، واستبشروا عند ذكر آلهتهم ، واشمئزوا عند ذكرك ، وزعموا مع هذا ، أنهم على الحق ، وغيرهم على الباطل ، وأن لهم الحسنى . قال تعالى : * ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ) * . وقد أخبرنا بالفصل بينهم بعدها بقوله : * ( هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد ) * إلى أن قال : * ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ) * . وقال تعالى : * ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون * إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ) * ففي هذه الآية ، بيان عموم خلقه تعالى ، وعموم علمه ، وعموم حكمه بين عباده . فقدرته التي نشأت عنها المخلوقات ، وعلمه المحيط بكل شيء ، دال على حكمه بين عباده ، وبعثهم ، وعلمه بأعمالهم ، خيرها وشرها ، وبمقادير جزائها ، وخلقه دال على علمه * ( ألا يعلم من خلق ) * . * ( ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون * وبدا لهم سيئات ما ك سبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) * لما ذكر تعالى ، أنه الحاكم بين عباده ، وذكر مقالة المشركين وشناعتها ، كأن النفوس تشوفت إلى ما يفعل الله بهم يوم القيامة ، أخبر أن لهم * ( سوء العذاب ) * أي : أشده وأفظعه ، كما قالوا أشد الكفر وأشنعه . وأنهم على الفرض والتقدير لو كان لهم ما في الأرض جميعا ، من ذهبها ، وفضتها ، ولؤلؤها ، وحيواناتها ، وأشجارها ، وزروعها ، وجميع أوانيها ، وأثاثها ، ومثله معه ، ثم بذلوه يوم القيامة ليفتدوا به من العذاب ، وينجوا منه ، ما قبل منهم ، ولا أغني عنهم من عذاب الله شيئا ، * ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) * . * ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) * أي : يظنون من السخط العظيم ، والمقت الكبير ، وقد كانوا