عبد الرحمن بن ناصر السعدي

723

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

أفصح الألفاظ ، وأوضحها ، وأن معانيه ، أجل المعاني ؛ لأنه أحسن الحديث ، في لفظه ومعناه ، متشابها في الحسن والائتلاف وعدم الاختلاف ، بوجه من الوجوه . حتى إنه كلما تدبره المتدبر ، وتفكر فيه المتفكر ، رأى من اتفاقه ، حتى في معانيه الغامضة ، ما يبهر الناظرين ، ويجزم بأنه لا يصدر إلا من حكيم عليم ، هذا هو المراد بالتشابه في هذا الموضع . وأما في قوله تعالى : * ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) * فالمراد بها ، التي تشتبه على فهوم كثير من الناس ، ولا يزول هذا الاشتباه ، إلا بردها إلى المحكم ، ولهذا قال : * ( منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) * فجعل التشابه لبعضه . وهنا جعله كله متشابها ، أي : في حسنه ، لأنه قال : * ( أحسن الحديث ) * وهو سورة وآيات ، والجميع يشبه بعضه بعضا ، كما ذكرنا . * ( مثاني ) * أي : تثنى في القصص والأحكام ، والوعد والوعيد ، وصفات أهل الخير ، وصفات أهل الشر ، وتثنى فيه أسماء الله وصفاته . وهذا من جلالته ، وحسنه ، فإنه تعالى ، لما علم احتياج الخلق إلى معانيه المزكية للقلوب ، المكملة للأخلاق ، وأن تلك المعاني للقلوب ، بمنزلة الماء لسقي الأشجار . فكما أن الأشجاء كلما بعد عهدها بسقي الماء نقصت ، بل ربما تلفت ، وكلما تكرر سقيها حسنت ، وأثمرت أنواع الثمار النافعة . فكذلك القلب يحتاج دائما إلى تكرر معاني كلام الله تعالى عليه ، وأنه لو تكرر عليه المعنى مدة واحدة في جميع القرآن ، لم يقع منه موقعا ، ولم تحصل النتيجة منه . ولهذا سلكت في هذا التفسير هذا المسلك الكريم ، اقتداء بما هو تفسير له . فلا تجد فيه الحوالة على موضع من المواضع . بل كل موضع تجد تفسيره ، كامل المعنى ، غير مراع لما مضى ، مما يشبهه . وإن كان بعض المواضع ، يكون أبسط من بعض ، وأكثر فائدة ، وهكذا ينبغي لقارىء القرآن ، المتدبر لمعانيه ، أن لا يدع التدبر في جميع المواضع منه . فإنه يحصل له بسبب ذلك ، خير كثير ، ونفع غزير . ولما كان القرآن العظيم بهذه الجلالة والعظمة ، أثر في قلوب أولي الألباب المهتدين فلهذا قال تعالى : * ( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ) * لما فيه من التخويف والترهيب المزعج . * ( ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) * أي : عند ذكر الرجاء والترغيب . فهو تارة يرغب لعمل الخير ، وتارة يرهبهم من عمل الشر . * ( ذلك ) * الذي ذكره الله من تأثير القرآن فيهم . * ( هدى لله ) * أي : هداية منه لعباده ، وهو من جملة فضله وإحسانه عليهم . * ( يهدي به ) * أي : القرآن الذي وصفناه لكم . * ( هدى الله ) * الذي لا طريق يوصل إلى الله إلا منه * ( يهدي به من يشاء من عباده ) * ممن حسن قصده ، كما قال تعالى : * ( يهدي به الله من اتبع رضوان سبل السلام ) * . * ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) * لأنه لا طريق يوصل إليه إلا توفيقه والتوفيق بالإقبال على كتابه . فإذا لم يحصل هذا ، فلا سبيل إلى الهدى ، وما هو إلا الضلال المبين والشقاء المهين . * ( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون * كذب الذين من قبلهم فأتاهم الع ذاب من حيث لا يشعرون * فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) * أي : هل يستوي هذا الذي هداه الله ، ووفقه لسلوك الطريق والموصلة لدار كرامته . ومن كان في الضلال ، واستمر على عناده ، حتى قدم القيامة ، فجاءه العذاب العظيم فجعل يتقي بوجهه الذي هو أشرف الأعضاء ، وأدنى شيء من العذاب يؤثر فيه ؛ فهو يتقي فيه سوء العذاب لأنه قد غلت يداه ورجلاه . * ( وقيل للظالمين ) * أنفسهم ، بالكفر والمعاصي ، وتوبيخا وتقريعا : * ( ذوقوا ما كنتم تكسبون ) * . * ( كذب الذين من قبلهم ) * من الأمم كما كذب هؤلاء . * ( فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) * جاءهم في غفلة ، أو نهار ، أو هم قائلون . * ( فأذاقهم الله ) * بذلك العذاب * ( الخزي في الحياة الدنيا ) * فافتضحوا عند الله ، وعند خلقه . * ( ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) * فليحذر هؤلاء من المقام على التكذيب ، فيصيبهم ما أصاب أولئك من التعذيب . * ( ولقد ضربنا للناس في ه ذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون * قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون * ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) * يخبر تعالى ، أنه ضرب في القرآن من جميع الأمثال ، أمثال أهل الخير ، وأمثال أهل الشر ، وأمثال التوحيد والشرك ، وكل مثل يقرب حقائق الأشياء ، والحكمة في ذلك * ( لعلهم يتذكرون ) * عندما نوضح لهم الحق فيعلمون ، ويعملون . * ( قرآنا عربيا غير ذي عوج ) * أي : جعلناه قرآنا عربيا ، واضح الألفاظ ،