عبد الرحمن بن ناصر السعدي

703

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

ينزفون * وعندهم قاصرات الطرف عين * كأنهن بيض مكنون ) * يقول تعالى : * ( إلا عباد الله المخلصين ) * فإنهم غير ذائقي العذاب الأليم ، لأنهم أخلصوا الله أعمال ، فأخلصهم ، واختصهم برحمته ، وجاد عليهم بلطفه . * ( أولئك لهم رزق معلوم ) * أي : غير مجهول ، وإنما هو رزق عظيم جليل ، لا يجهل أمره ، ولا يبلغ كنهه . فسره بقوله : * ( فواكه ) * من جميع أنواع الفواكه ، التي تتفكه بها النفس ، للذتها في لونها وطعمها . * ( وهم مكرمون ) * لا مهانون محتقرون ، بل معظمون مبجلون موقرون . قد أكرم بعضهم بعضا ، وأكرمتهم الملائكة الكرام ، وصاروا يدخلون عليها من كل باب ، ويهنئونهم ببلوغ أهنأ الثواب . وأكرمهم أكرم الأكرمين ، وجاد عليهم بأنواع الكرامات ، من نعيم القلوب والأرواح والأبدان . * ( في جنات النعيم ) * أي : الجنات ، التي النعيم وصفها ، والسرور نعتها . وذلك لما جمعته ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وسلمت من كل ما يخل بنعيمها ، من جميع المكدرات والمنغصات . ومن كرامتهم عند ربهم ، وإكرام بعضهم بعضا ، أنهم على * ( سرر ) * وهي المجالس المرتفعة ، المزينة بأنواع الأكسية الفاخرة ، المزخرفة المجملة ، فهم متكئون عليها ، على وجه الراحة والطمأنينة ، والفرح ، * ( متقابلين ) * فيما بينهم ، ونعموا باجتماع بعضهم مع بعض . فإن مقابلة وجوههم ، تدل على تقابل قلوبهم ، وتأدب بعضهم مع بعض فلم يستدبره ، أو يجعله إلى جانبه . بل من كمال السرور والأدب ، ما دل عليه ذلك التقابل . * ( يطاف عليهم بكأس من معين ) * أي : يتردد الولدان المستعدون لخدمتهم عليهم ، بالأشربة اللذيذة ، بالكاسات الجميلة المنظر ، المترعة من الرحيق المختوم بالمسك ، وهو كاسات الخمر . وتلك الخمر ، تخالف خمر الدنيا من كل وجه ، فإنها في لونها * ( بيضاء ) * من أحسن الألوان ، وفي طعمها * ( لذة للشاربين ) * يلتذ شاربها بها وقت شربها وبعده . وأنها سالمة * ( لا فيها غول ) * العقل وذهابه ، ونزفه ، ونزف مال صاحبها ، وليس فيها صداع ولا كدر . فلما ذكر طعامهم وشربهم ، ومجالسهم ، وعموم النعيم وتفاصيله ، داخلة في قوله : * ( جنات النعيم ) * . لكن فصل هذه الأشياء ، لتعلم ، فتشتاق النفوس إليها ، ذكر أزواجهم فقال : * ( وعندهم قاصرات الطرف عين ) * أي : وعند أهل دار النعيم ، في محلاتهم القربية ، حور حسان ، كاملات الأوصاف ، قاصرات الطرف . إما أنها قصرت طرفها على زوجها ، لعفتها ، وعدم مجاوزته لغيره ، ولجمال زوجها وكماله ، بحيث لا تطلب في الجنة سواه ، ولا ترغب إلا به . وإما لأنها قصرت طرف زوجها عليها ، وذلك يدل على كمالها ، وجمالها الفائق ، الذي أوجب لزوجها ، أن يقصر طرفه عليها . وقصر الطرف أيضا ، يدل على قصر النفس والمحبة عليها . وكلا المعنيين محتمل ، وكلاهما صحيح . وكل هذا ، يدل على جمال الرجال والنساء في الجنة ، ومحبة بعضهم بعضا ، محبة لا يطمح معها أحد إلى غيره . ويدل على شدة عفتهم كلهم ، وأنه لا حسد فيها ولا تباغض ، ولا تشاحن وذلك لانتفاء أسبابه . * ( عين ) * أي : حسان الأعين جميلاتها ، ملاج الحدق * ( كأنهن ) * أي : الحور * ( بيض مكنون ) * أي : مستور ، وذلك من حسنهن وصفائهن وكون ألوانهن أحسن الأولوان وأبهاها ، ليس فيه كدر ولا شين . * ( فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قال قآئل منهم إني كان لي قرين * يقول أإنك لمن المصدقين * أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرآه في سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين * أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين * إن ه ذا لهو الفوز العظيم * لمثل ه ذا فليعمل العاملون ) * لما ذكر تعالى نعيمهم ، وتمام سرورهم ، بالمآكل والمشارب ، والأزواج الحسان ، والمجالس الحسنة ، وصف تذاكرهم فيما بينهم ، ومطارحتهم للأحاديث ، عن الأمور الماضية ، وأنهم ما زالوا في المحادثة والتساؤل ، حتى أفضى ذلك بهم ، إلى أن قال قائل منهم : * ( إني كان لي قرين ) * في الدنيا ، ينكر البعث ، ويلومني على تصديقي به و * ( يقول أإنك لمن المصدقين * أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون ) * أي : مجازون بأعمالنا ؟ أي : كيف تصدق بهذا الأمر البعيد ، الذي في غاية الاستغراب ، وهو أننا إذا تمزقنا ، فصرنا ترابا وعظاما ، أننا نبعث ونعاد ، ثم نحاسب ونجازى بأعمالنا ؟ أي : يقول صاحب الجنة لإخوانه : هذه قصتي ، وهذا خبري ، أنا وقريني . ما زلت أنا مؤمنا صادقا ، وهو ما زال مكذبا منكرا للبعث ، حتى متنا ، ثم بعثنا . فوصلت أنا إلى ما ترون من النعيم ، الذي أخبرتنا به الرسل ، وهو لا شك ، أنه قد وصل إلى العذاب . * ( قال هل أنتم مطلعون ) * لننظر إليه ، فنزداد غبطة وسرورا ما نحن فيه ، ويكون ذلك رأي عين ؟ والظاهر من حال أهل الجنة ، وسرور بعضهم