عبد الرحمن بن ناصر السعدي

694

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

المرسلون ) * من الله تعالى يأمرونهم بعبادة الله وحده ، وإخلاص الدين له ، وينهونهم عن الشرك والمعاصي . * ( إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ) * أي : قويناهما بثالث ، فصاروا ثلاثة رسل ، اعتناء من الله بهم ، وإقامة للحجة ، بتوالي الرسل إليهم . * ( فقالوا ) * ( لهم ) * ( إنا إليكم مرسلون ) * فأجابوهم بالجواب ، الذي ما زال مشهورا عند من رد دعوة الرسل . * ( قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ) * أي : فما الذي فضلكم علينا ، وخصكم من دوننا ؟ قالت الرسل لأممهم : * ( إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ) * . * ( وما أنزل الرحمن من شيء ) * أي : أنكروا عموم الرسالة . ثم أنكروا أيضا المخاطبين لهم فقالوا : * ( إن أنتم إلا تكذبون ) * . فقال هؤلاء الرسل الثلاثة : * ( ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ) * فلو كنا كاذبين ، لأظهر الله خزينا ، ولبادرنا بالعقوبة . * ( وما علينا إلا البلاغ المبين ) * أي : البلاغ المبين الذي يحصل به ، توضيح الأمور المطلوب بيانها . وما عدا هذا من آيات الاقتراح ، أو من سرعة العذاب ، فليس إلينا . وإنما وظيفتنا ، التي هي البلاغ المبين ، قمنا بها ، وبيناها لكم . فإن اهتديتم ، فهو حظكم وتوفيقكم ، وإن ضللتم ، فليس لنا من الأمر شيء . فقال أصحاب القرية لرسلهم : * ( إنا تطيرنا بكم ) * أي : لم نر على قدومكم علينا ، واتصالكم بنا ، إلا الشر . وهذا من أعجب العجائب ، أن يجعل من قدم عليهم بأجل نعمة ينعم الله بها على العبادة ، وأجل كرامة يكرمهم بها ، وضرورته إليها فوق كل ضرورة ، قد قدم بحالة شر ، زادت على الشر الذي هم عليه ، واستشأموا بها . ولكن الخذلان ، وعدم التوفيق ، يصنع بصاحبه أعظم مما يصنع به عدوه . ثم توعدوهم فقالوا : * ( لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ) * أي : لنقتلنكم رجما بالحجارة ، أشنع القتلات * ( وليمسنكم منا عذاب أليم ) * . فقال لهم رسلهم : * ( طائركم معكم ) * وهو : ما معهم من الشرك والشر ، المقتضي لوقوع المكروه والنقمة ، وارتفاع المحبوب والنعمة . * ( أإن ذكرتم ) * أي : بسبب أنا ذكرناكم ما فيه صلاحكم وحظكم ، قلتم لنا ما قلتم . * ( بل أنتم قوم مسرفون ) * متجاوزون للحد ، متجرهمون في قولكم . فلم يزدهم دعاؤهم إلا نفورا واستكبارا . * ( وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ) * حرصا على نصح قومه ، حين سمع ما دعت إليه الرسل ، وآمن به ، وعلم ما رد به قومه عليهم فقال : * ( يا قوم اتبعوا المرسلين ) * فأمرهم باتباعهم ، ونصحهم على ذلك ، وشهد لهم بالرسالة . ثم ذكر تأييدا لما شهد به ودعا إليه ، فقال : * ( اتبعوا من لا يسألكم أجرا ) * أي : اتبعوا من نصحكم نصحا ، يعود عليكم بالخير ، وليس يريد منكم أموالكم ، وأجرا على نصحه لكم ، وإرشاده إياكم ، فهذا موجب لاتباع من هذا وصفه . بقي أن يقال : فلعله يدعو ولا يأخذ أجرة ، ولكنه ليس على الحق . فدفع هذا الاحتراز بقوله : * ( وهم مهتدون ) * لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحسنه ، ولا ينهون إلا عما يشهد العقل الصحيح بقبحه . فكأن قومه لم يقبلوا نصحه ، بل عادوا لائمين له ، على اتباع الرسل ، وإخلاص الدين لله وحده فقال : * ( ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ) * أي : وما المانع لي ، من عبادة من هو المستحق للعبادة ؛ لأنه الذي فطرني ، وخلقني ورزقني ، وإليه مآل جميع الخلق ، فيجازيهم بأعمالهم . فالذي بيده الخلق والرزق ، والحكم بين العباد ، في الدنيا والآخرة ، هو الذي يستحق أن يعبد ، ويثنى عليه ويمجد ، دون من لا يملك نفعا ولا ضرا ، ولا عطاء ولا منعا ، ولا موتا ، ولا حياة ، ولا نشورا ولهذا قال : * ( أأتخذ من دونه آلهة إن يردني الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ) * لأنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه ، فلا تغني شفاعتهم عني شيئا * ( ولا ينقذون ) * من الضر الذي أراده الله بي . * ( إني إذا ) * أي : إن عبدت آلهة هذا وصفها * ( لفي ضلال مبين ) * فجمع في هذا الكلام ، بين نصحهم ، والشهادة للرسل بالرسالة ، والاهتداء والإخبار بتعين عبادة الله وحده . وذكر الأدلة عليها ، وأن عبادة غيره باطلة ، وذكر البراهين عليها ، والإخبار بضلال من عبدها ، والإعلان بإيمانه جهرا ، مع خوفه الشديد من قتلهم فقال : * ( إني آمنت بربكم فاسمعون ) * فقتله قومه ، لما سمعوا منه وراجعهم بما راجعهم به . * ( قيل ) * له في الحال * ( ادخل الجنة ، قال ) * مخبرا بما وصل إليه من الكرامة على توحيده ، وإخلاصه ، وناصحا لقومه بعد وفاته ، كما نصح لهم في حياته . * ( يا ليت قومي يعلمون . بما غفر لي ربي ) * أي : بأي شيء غفر لي ، فأزال عني أنواع العقوبات . * ( وجعلني من المكرمين ) *